قراءة في قصيدة ”على هوى النرد” للشاعرة أسماء أيمن

تفتح الشاعرة أسماء أيمن في نصها "على هوى النرد" أفقًا سوداويًا مشحونًا بالتشظي النفسي والصراع الوجودي، مستهلةً النص بمشهدية سريالية صادمة تنقلنا مباشرة إلى المسرح الداخلي للذات الشاعرة؛ حيث تحول الرأس إلى وكر لـ "الثعابين" التي تلعب بمصير الإنسان عبر رمي "النرد" الخاضع لمشيئتها العبثية. هذا الاستهلال يفرض مناخًا من الجبرية والاضطراب، حيث تسقط الأنا الشاعرة في عوالم "الأفلام سوداء الساعات"، معلنةً حالة من التمرد والانفصال التام عن العقل والواقع في قولها "ولا أشتاق إلى عقلي".
إنها حالة جنون واعية، تختار فيها الذات محاصرة "جيوش الدماء" وتضخيم الأصوات الهوجاء هربًا من وطأة الوعي القاتل، ليتأرجح المشهد بين البكاء والتبسم في "ركن وسواسي" معتم، يلمع فيه الليل ككائن نوّاس يخشى مواجهة "شباك الشمس" التي تفضح الزيف وتكشف الأطباق المختفية من حقائق الوجود.
ومن هذا الصراع الداخلي الغامض، تنعطف الشاعرة نحو الخارج لتصطدم بمنظومة المعتقدات والاجتماع البشري، حيث تتجلى صدمتها في "ألوان شائبة ورمادية" و"أقمار أرضية" تسعى إلى خدش الروح وتجريدها من سمائها الخالصة. هنا تبرز تيمة "الاستغلال"؛ فالآخر والمنظومة المحيطة يحاولان التهام "زهوة لونها" الأصيل، وإغراقها في "اللغة الاستعبادية" التي تسلب الإنسان حريته وتفرز تبعية مقيتة.
وأمام هذا التهديد بالمحو، تبدو أمنية الهروب عبر "الوهم" أو "الأيام الوردية" خيارًا مستحيلاً، إذ تدرك الشاعرة أن قلبها يمتلك مرآة تبصر حقيقة كونها "مهجورة"، وهي الرؤية التي تدفعها نحو التحول الأكبر في النص: التحول إلى "الرحال، الساخر من أصوات القلب وترتيب العقلاء". هذا الاغتراب والترحال يصبح صك الغفران والراحة، حيث ترتاح الأفكار في "مرج" بعيد عن لغو البشر وتصنعهم.
وفي ذروة التقرير الفلسفي للنص، تشن الشاعرة هجومًا ضاريًا وسردًا نقديًا على جموع البشر الذين "لعب السباق بهم في مضمار المسخية"؛ لتتحول الصورة إلى مشهد مجتمعي مشوه وقاسٍ، يلتهم فيه الناس "المكسور من الإنسانية"، ويستسلمون طواعية لـ "تبعية الشيطان" ولـ "فخ السطحية". وتتعمق السوداوية باستخدام استعارات حيوانية قاسية مثل "المملكة التمساحية" و"زي الحرباء الأفضل"، وهي صور ترمز إلى التلون، والنفاق، والافتراس الكامن وراء بريق العالم الزائف. هذا الوعي الحاد بحقيقة العالم يدفع الذات الشاعرة في الخاتمة إلى إعلان القطيعة التامة والنهائية، حيث تغلق الباب بصرامة قائلة "لا تطرق بابي لن أرجع"، معلنةً سقوط موازين الدنيا وزينتها العبثية، والانحياز الكامل للحرية الفردية المطلقة: "حرًا في حلمي، حرًا في عرقي، حرًا من أنياب في روحي".
وتنتهي القصيدة بضربة إيقاعية مشحونة بروح الانتقام الكوني العادل، حيث تمنح "المجد لنيران تحيا"، تاركةً المسوخ والتبعيين يذوبون كشموع مهملة لم يتدخل أحد لإطفائها، ليكون النص في مجمله رحلة تحرر عنيفة وقاسية، تبدأ من حصار الروح وتنقّل نرد العبث، وتنتهي بحرية النيران التي تطهر الروح من غبار العالم واستعباده.
نص القصيدة
(على هوى النرد)
في الرأْسِ ثعابينٌ معها نردٌ
يتحرَّك حسَب مشيئتهِ
وأنا المجنونُ الساقطُ
في أفلامٍ سوداءِ السَاعاتِ
ولا أَشْتاقُ إلى عَقْلي
حَاصرْتُ جُيُوشَ دِمَائي كي لا يَعْمل
كبَّرْتُ الأصْواتَ الهوجَاءَ
المثْقُوبة من حولي
أبكي
/أتبسَّمُ منْ هذا الرُّكنِ الوسْواسِ
ويلْمعُ في عَينِي لَيلٌ نوَّاسٌ
يخْشى من شبَّاك الشَّمْس
لأنْ لَمْ يَتَناول كلَّ الأطْباقِ المُخْتفِيَةِ
صَدَمتْني مُعْتقداتٌ تأْخُذُ صَبْرِي
تَجْهر عنْ ألْوانٍ شَائِبَةٍ ورماديَّةْ
تتلوَّنُ في الأَقْمار الأرْضيِّةْ
كي تخمشها
أو تجْعلها تخْلُو مِنْ أيِّ سَمَاءٍ ترْغَبُهَا
كانت ألونا تسعى في استغلال النجوى
كي تتجرَّع زهْوَةَ لوني
وتحاولُ أنْ تتْرُكَنِي في اللغة الاستعباديَّةْ
لو كان القلبُ بِلا مِرآةٍ تُبْصرُ أنِّي مهْجورٌ
لو أَعْطاني الوَهْمُ الأَيَّامَ الوَرْديَّةْ
لنْ أسْألَ عنْ مجْنونٍ مِثْلِي
كي أحْيا
لا تَسألْ ياقلبي كَيفَ ارْتاحتْ أفْكَاري في مَرَجٍ
وعُيُونِي لمْ ترْجُو لَغْوًا
اليَومَ أنا الرَّحَّال
السَّاخرُ مِنْ أصواتِ القلبِ
وترْتيبِ العُقَلاءِ
لقد لعب السَّبَّاقُ بهم في مدمار المَسْخيَّةْ
واقْتنعوا أنْ يلتهموا المكْسورَ منَ الإنسانيَّةْ
كلٌّ منهم يدري أن التبعيَّةَ
أسرًا في يد شيطانٍ لا يرحم
كلٌ مِنْهُمْ أغْمضَ عينَ الخُوفِ
أمام تَسَلُّطِ فخِّ السطْحِيَّةْ
وهَوَى أكْنَافِ الممْلكةِ التمْساحيَّةْ
كلٌّ منهُمْ يجري بحثًا عن زيِّ الحرْباءِ الأَفْضلِ
لا تطْرقْ بابِي لنْ أرجع
في ميزان الدنيا
زينتكُ العَبَثِيَّةُ لن تجدِي
اتْرُكْنِي حُرًّا في حُلُمِي
حرًّا في عِرقِي
حرًّا من أنيابٍ في روحي
كَغُبارِ الكُحْلِ اسْتقْبحهُمْ بصري
المَجْد لنيرانٍ تحْيَا
فَيَذُوبُوا مِثْل شموعٍ
لمْ يَرْأفْ أحدٌ أنْ يُطْفِئهَا!!

