النقود .. سلطة تتجاوز الاقتصاد

في عالم تتنقل فيه تريليونات الدولارات يومياً بضغطة زر، تبدو النقود وكأنها حقيقة بديهية لا تحتاج إلى تفسير. لكن خلف الأوراق النقدية والأرصدة المصرفية والتطبيقات الرقمية تختبئ واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في الاقتصاد والسياسة الحديثة: ما الذي يمنح المال قيمته؟ ولماذا يثق الناس به؟ ومن يملك السلطة الحقيقية على عملية خلقه وتوزيعه؟
هذه الأسئلة تشكل جوهر كتاب «نظرية سياسية للنقود» للمؤلف "أنوش كاباديا"، الذي يقدم قراءة عميقة ومختلفة لطبيعة المال، بعيداً عن التفسيرات التقليدية التي تحصره في كونه مجرد أداة للتبادل أو مخزناً للقيمة.
إطار متماسك
يُعد الكتاب من أبرز الأعمال الفكرية التي تناولت موضوع النقود خلال السنوات الأخيرة، إذ ينجح في الجمع بين التحليل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ضمن إطار متماسك يفسر كيفية عمل الأنظمة النقدية الحديثة، وكيف أصبحت النقود جزءاً لا يتجزأ من بنية السلطة داخل الدول وفي النظام العالمي.
ينطلق "كاباديا" من فكرة أساسية مفادها أن المال ليس مجرد وسيلة محايدة لتسهيل التجارة، بل هو مؤسسة سياسية واجتماعية قائمة بذاتها. فوجود الاقتصاد الحديث، وفقاً لرؤيته، لا يمكن تصوره من دون وجود النقود. فكل معاملة اقتصادية تتضمن التزامات قانونية وحقوقاً مالية تعتمد في النهاية على وجود نظام نقدي قادر على تسوية هذه الالتزامات بشكل نهائي وملزم.
ويشير المؤلف إلى أن أحد أكثر الجوانب تعقيداً في فهم النقود يتمثل في العلاقة الوثيقة بينها وبين الدين. فالدين، وهو وعد بالدفع في المستقبل، يمكن أن يؤدي وظيفة نقدية بحد ذاته.
وتظهر هذه الحقيقة بوضوح في النظام المصرفي الحديث، حيث لا تمثل الودائع المصرفية نقوداً بالمعنى الدقيق، بل هي التزامات على البنوك بتسليم النقود الرسمية عند الطلب. ومع ذلك، يتعامل الجميع مع هذه الودائع وكأنها نقود حقيقية، سواء في دفع الرواتب أو إجراء التحويلات أو تسوية المعاملات اليومية.
هرم النقود
ومن هنا يطرح "كاباديا" مفهوم «هرم النقود»، الذي يرى أن النظام النقدي الحديث يتكون من مستويات متعددة من الأموال. ففي قمة الهرم توجد أموال البنك المركزي، التي تشمل النقد الرسمي وتتمتع بأعلى درجات الموثوقية والسيولة.
أما الودائع المصرفية فتقع في مستوى أدنى، لأنها في جوهرها مطالبات بالحصول على أموال البنك المركزي. ومع ذلك، فإن الثقة المرتفعة في النظام المصرفي تجعل هذه المطالبات تؤدي عملياً وظائف المال نفسها.
ويكشف هذا التصور عن حقيقة كثيراً ما تغيب عن النقاشات العامة، وهي أن البنوك التجارية لا تكتفي بدور الوسيط المالي التقليدي بين المدخرين والمقترضين، بل تشارك فعلياً في خلق النقود.
عندما تمنح البنوك قرضاً جديداً، فإنها تخلق وديعة جديدة في الوقت نفسه، ما يؤدي إلى زيادة المعروض النقدي داخل الاقتصاد.
ولهذا يصف المؤلف البنوك التجارية بأنها تمتلك عملياً «ترخيصاً لإنتاج النقود»، وإن كان ذلك يتم ضمن إطار تنظيمي تشرف عليه البنوك المركزية.
غير أن قدرة البنوك على خلق النقود لا تعني أنها تعمل بمعزل عن الدولة. فالثقة في الودائع المصرفية تستند في النهاية إلى وجود البنك المركزي بوصفه المقرض الأخير للنظام المصرفي.
وعندما تواجه البنوك أزمات سيولة، كما حدث خلال الأزمة المالية العالمية، تتدخل البنوك المركزية لتوفير التمويل اللازم ومنع انهيار النظام المالي. وهكذا تصبح العلاقة بين الدولة والبنوك التجارية علاقة عضوية يصعب الفصل بين طرفيها.
التحول التاريخي
يتناول الكتاب أيضاً التحول التاريخي الذي شهدته الأنظمة النقدية منذ التخلي عن قاعدة الذهب. ففي الماضي كانت العملات تمثل وعداً قابلاً للتحويل إلى كمية محددة من الذهب.
لكن هذا الارتباط انتهى فعلياً بعد انهيار نظام بريتون وودز في سبعينيات القرن الماضي، لتدخل الاقتصادات العالمية عصر العملات الورقية غير المرتبطة بأي سلعة مادية.
ورغم أن كثيرين يرون في هذا التحول دليلاً على أن النقود أصبحت بلا غطاء، فإن كاباديا يقدم تفسيراً مختلفاً. فالنقود الحديثة، بحسب رأيه، لم تفقد أساسها بالكامل، بل استبدلت الذهب بشيء أكثر تعقيداً وأوسع نطاقاً: الاقتصاد الوطني ذاته. فقيمة العملة لم تعد تستند إلى معدن ثمين محفوظ في الخزائن، وإنما إلى قدرة الدولة ومؤسساتها على إدارة الاقتصاد والحفاظ على الإنتاج والثروة والاستقرار المالي.
النظرية النقدية الحديثة
ومن هذا المنطلق، يرفض المؤلف التفسيرات التي ترى أن قيمة المال تقوم فقط على اتفاق اجتماعي أو ثقة جماعية بين الأفراد. كما يختلف جزئياً مع أنصار «النظرية النقدية الحديثة» الذين يؤكدون أن الحكومات تستطيع إصدار كميات غير محدودة من النقود طالما لم تظهر ضغوط تضخمية. فالدولة، في رأيه، لا تستطيع خلق القيمة بمجرد الإعلان أو القرار السياسي. بل إن قيمة العملة تعتمد على منظومة متكاملة تضم السياسات النقدية والمالية، وقوة الاقتصاد الحقيقي، والثقة بالمؤسسات العامة.
ويؤكد الكتاب أن المال في جوهره علاقة سياسية بقدر ما هو أداة اقتصادية. فحيازة العملة تمثل مطالبة غير مباشرة بجزء من الثروة التي ينتجها المجتمع. ومن ثم فإن استقرار النظام النقدي يعتمد على عقد سياسي واجتماعي يربط المواطنين بالدولة ويمنح العملة مشروعيتها وقيمتها.
ولا يقتصر تحليل "كاباديا" على المستوى الوطني، بل يمتد إلى النظام النقدي العالمي. فكما توجد هرمية داخل النظام المالي المحلي، توجد أيضاً هرمية عالمية بين العملات المختلفة. وفي قمة هذا الهرم تقف العملة الأمريكية، التي تتمتع بوضع استثنائي يجعلها العملة المهيمنة في التجارة والتمويل الدوليين.

