النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

جنرال يتحدى نتنياهو: إخفاقات الحرب والتبعية لواشنطن تشعل معركة خلافة الحكم في إسرائيل

أعلن آيزنكوت بوضوح أنه يسعى إلى الفوز في الانتخابات البرلمانية المقبلة وتشكيل الحكومة القادمة
عبدالرحمن كمال -

تدخل الساحة السياسية الإسرائيلية مرحلة مبكرة من الصراع الانتخابي، مع تصاعد التحديات التي يواجهها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية نفسها، حيث برز رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت كأحد أبرز المنافسين المحتملين على قيادة إسرائيل في مرحلة ما بعد نتنياهو.

وفي مقابلة مطولة أثارت اهتمام الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية، أعلن آيزنكوت بوضوح أنه يسعى إلى الفوز في الانتخابات البرلمانية المقبلة وتشكيل الحكومة القادمة، في خطوة تعكس انتقال المواجهة مع نتنياهو من دائرة المعارضة التقليدية إلى دائرة الجنرالات السابقين الذين يحملون سجلاً أمنياً وعسكرياً طويلاً.

ولا تبدو أهمية تصريحات آيزنكوت نابعة فقط من إعلانه الطموح للوصول إلى رئاسة الحكومة، بل من طبيعة الاتهامات التي وجهها إلى نتنياهو، والتي مست جوهر إدارة الدولة والحرب والسياسة الخارجية، وصولاً إلى تحميله مسؤولية الإخفاقات الاستراتيجية التي سبقت أحداث السابع من أكتوبر وما أعقبها من أزمات غير مسبوقة.

وتعكس هذه التصريحات حجم الانقسام المتزايد داخل النخبة الإسرائيلية حول مستقبل القيادة السياسية، في وقت تواجه فيه إسرائيل أزمات أمنية وعسكرية واقتصادية متراكمة، إضافة إلى عزلة دولية متنامية بسبب الحرب المستمرة على قطاع غزة والانتهاكات المتواصلة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

أزمة قيادة

يقدم آيزنكوت نفسه باعتباره رجل دولة قبل أن يكون ممثلاً لمعسكر اليمين أو اليسار، إلا أن خطابه السياسي يكشف عن محاولة واضحة لاستقطاب قطاعات واسعة من الناخبين الإسرائيليين الذين يشعرون بأن الحكومة الحالية أوصلت إسرائيل إلى واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ عقود.

ويعتمد الجنرال السابق في حملته غير المعلنة على رصيده الأمني والعسكري، باعتباره أحد أبرز قادة الجيش الإسرائيلي خلال السنوات الماضية، محاولاً توظيف هذا الإرث في مواجهة نتنياهو الذي لطالما قدم نفسه باعتباره "السيد الأمني" القادر على حماية إسرائيل.

لكن المفارقة التي يطرحها آيزنكوت تتمثل في اتهامه نتنياهو نفسه بالتسبب في تراجع الأمن الإسرائيلي وإضعاف مؤسسات الدولة، معتبراً أن الحسابات الشخصية والسياسية أصبحت المحرك الرئيسي لقرارات رئيس الوزراء.

ويكشف هذا الخطاب عن أزمة ثقة متزايدة داخل قطاعات من المؤسسة الإسرائيلية تجاه القيادة الحالية، خصوصاً بعد سلسلة الإخفاقات التي رافقت الحرب على غزة والتوترات المتصاعدة على الجبهات الإقليمية المختلفة.

التبعية لواشنطن

أخطر ما ورد في تصريحات آيزنكوت كان انتقاده المباشر لطبيعة العلاقة التي أصبحت تربط إسرائيل بالإدارة الأمريكية، معتبراً أن نتنياهو أوصل الدولة العبرية إلى مرحلة باتت فيها القرارات العسكرية الكبرى مرهونة بالموافقة الأمريكية.

وقال إن إسرائيل أصبحت بحاجة إلى ضوء أخضر من واشنطن حتى لتنفيذ عمليات عسكرية في لبنان، وهو ما اعتبره مؤشراً خطيراً على تراجع استقلالية القرار الإسرائيلي.

وتعكس هذه التصريحات قلقاً متنامياً داخل النخبة الأمنية الإسرائيلية من اتساع النفوذ الأمريكي في إدارة الملفات العسكرية والأمنية، خصوصاً بعد أن أصبحت واشنطن لاعباً مباشراً في تحديد قواعد الاشتباك في غزة ولبنان وإيران.

وتكشف هذه الانتقادات أيضاً عن مفارقة سياسية مهمة؛ فبينما حاول نتنياهو طوال سنوات تقديم نفسه باعتباره صاحب العلاقات الأقوى مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بات يواجه اليوم اتهامات من خصومه بأنه سمح بتآكل هامش القرار الإسرائيلي المستقل لصالح الإملاءات الأمريكية.

إرث السابع من أكتوبر

في قلب الهجوم الذي شنه آيزنكوت على نتنياهو، برز ملف السابع من أكتوبر باعتباره نقطة الارتكاز الرئيسية في معركة المسؤولية السياسية داخل إسرائيل.

فالجنرال السابق لم يكتف بانتقاد الأداء الحكومي خلال الحرب، بل عاد إلى ما قبل اندلاعها، معتبراً أن السياسات التي انتهجها نتنياهو خلال السنوات السابقة ساهمت في الوصول إلى الكارثة الأمنية التي هزت إسرائيل وأطاحت بصورة الردع التي سعت المؤسسة الإسرائيلية إلى ترسيخها لعقود.

ورغم محاولات نتنياهو المتكررة التنصل من المسؤولية وتحميل الأجهزة الأمنية والعسكرية جانباً من الفشل، فإن الجدل داخل إسرائيل يتجه بصورة متزايدة نحو تحميل القيادة السياسية المسؤولية الأساسية عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم.

وتكتسب تصريحات آيزنكوت أهمية خاصة لأنه كان جزءاً من النخبة الأمنية العليا ويملك اطلاعاً مباشراً على آليات صناعة القرار داخل الدولة، ما يمنح انتقاداته وزناً أكبر في النقاش الداخلي الإسرائيلي.

حرب بلا حسم

تكشف تصريحات رئيس الأركان الأسبق عن حجم الخلافات التي عصفت بحكومة الحرب الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية، خصوصاً فيما يتعلق بإدارة العمليات العسكرية وصفقات تبادل الأسرى.

فآيزنكوت أكد أنه غادر حكومة الحرب لأنه لم يعد قادراً على التأثير في القرارات الاستراتيجية، ولأنه رفض أن يكون مجرد غطاء سياسي لسياسات لا يؤمن بها.

وأشار إلى أنه دفع باتجاه إبرام صفقة لتبادل الأسرى وإعادة ترتيب الأولويات العسكرية، إلا أن نتنياهو رفض المضي في هذه الخيارات، وهو ما يعكس عمق الانقسام داخل دوائر صنع القرار حول كيفية إدارة الحرب وأهدافها النهائية.

وتبرز هذه الخلافات دليلاً إضافياً على أن الحرب على غزة لم تحقق الأهداف التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية عند بدايتها، وأن الخلافات بشأن مستقبلها ما تزال تتسع داخل النخبة الحاكمة.

كما تكشف أن أزمة الأسرى الإسرائيليين ما تزال تشكل أحد أبرز الملفات القادرة على إحداث شرخ سياسي داخلي، خصوصاً مع تصاعد الانتقادات لعجز الحكومة عن إعادتهم رغم مرور فترة طويلة على الحرب.

مأزق غزة

وفي حديثه عن قطاع غزة، قدم آيزنكوت صورة تعكس حجم التخبط الذي يواجهه صناع القرار الإسرائيليون بشأن اليوم التالي للحرب.

فهو من جهة يطالب بمواصلة استهداف حركة حماس وإنهاء وجودها العسكري والسياسي، لكنه من جهة أخرى ينتقد نتنياهو لرفضه منح السلطة الفلسطينية أي دور في إدارة القطاع، ولرفضه أيضاً تقديم بديل واضح وقابل للتطبيق للحكم في غزة.

ويعكس هذا التناقض المأزق الحقيقي الذي تواجهه إسرائيل بعد أشهر طويلة من الحرب؛ إذ لم تتمكن من فرض واقع سياسي جديد في القطاع، كما فشلت في إيجاد صيغة تحظى بقبول داخلي أو إقليمي أو دولي لإدارة غزة مستقبلاً.

وبينما تتواصل الحرب وما يرافقها من مجازر ودمار واسع بحق المدنيين الفلسطينيين، تتزايد الخلافات داخل إسرائيل نفسها حول جدوى الاستمرار في النهج الحالي وحول الكلفة السياسية والعسكرية والأخلاقية للحرب.

سباق ما بعد نتنياهو

تشير استطلاعات الرأي داخل إسرائيل إلى أن معركة خلافة نتنياهو بدأت فعلياً قبل أشهر من موعد الانتخابات المتوقعة، وأن شخصيات أمنية وعسكرية سابقة تسعى إلى استثمار حالة الإحباط الشعبي والغضب من أداء الحكومة الحالية.

وفي هذا السياق، لا تمثل تصريحات آيزنكوت مجرد إعلان ترشح مبكر، بل تعكس بداية صراع أوسع على هوية المرحلة المقبلة داخل إسرائيل، وعلى الجهة التي ستتحمل مسؤولية إدارة تداعيات واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ الدولة العبرية.

ومع استمرار الحرب وتزايد الضغوط الداخلية والخارجية على حكومة نتنياهو، يبدو أن المعركة الانتخابية القادمة لن تكون مجرد منافسة بين أحزاب سياسية، بل استفتاءً واسعاً على إرث نتنياهو نفسه، وعلى السياسات التي قادت إسرائيل إلى أزمات متلاحقة، من السابع من أكتوبر إلى حرب غزة، ومن التوترات الإقليمية المتصاعدة إلى الانقسامات الداخلية التي تهدد تماسك المشهد السياسي الإسرائيلي.