النهار
جريدة النهار المصرية

صحة ومرأة

دراسة مثيرة للجدل: الهواتف الذكية قد تكون أحد أسباب تراجع معدلات الإنجاب حول العالم

الموبايلات
بيتر إبراهيم -

كشفت دراستان حديثتان عن فرضية غير متوقعة قد تساعد في تفسير الانخفاض المستمر في معدلات الإنجاب عالميًا، حيث يشير باحثون إلى أن الانتشار الواسع للهواتف الذكية منذ ظهور أول هاتف "آيفون" عام 2007 ربما لعب دورًا أكبر مما كان يُعتقد في تراجع أعداد المواليد خلال السنوات الأخيرة.

وتأتي هذه النتائج في وقت تواجه فيه دول عديدة، من الولايات المتحدة إلى اليابان وكوريا الجنوبية والصين، أزمة ديموغرافية متفاقمة بسبب انخفاض معدلات الخصوبة وشيخوخة السكان، الأمر الذي يهدد أسواق العمل وأنظمة التقاعد والنمو الاقتصادي على المدى الطويل.

من الأزمة المالية إلى الهاتف الذكي

لسنوات طويلة، ربط الخبراء انخفاض معدلات الإنجاب بالأزمة المالية العالمية عام 2008 وارتفاع تكاليف المعيشة والسكن ورعاية الأطفال، إضافة إلى زيادة استخدام وسائل منع الحمل وارتفاع مستويات التعليم بين النساء.

لكن دراسة حديثة صادرة عن المكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية حاولت اختبار فرضية مختلفة، مفادها أن الهواتف الذكية غيّرت أنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية بصورة أثرت بشكل مباشر على معدلات الإنجاب.

واعتمد الباحثون على مقارنة مناطق أمريكية حصلت مبكرًا على تغطية واسعة لشبكة الاتصالات التي كانت تدعم هواتف آيفون في سنواته الأولى، بمناطق أخرى لم تحظ بالتغطية نفسها، ليتبين وجود ارتباط بين انتشار الهواتف الذكية وانخفاض معدلات المواليد، خاصة بين الفئات العمرية الأصغر سنًا.

تراجع اللقاءات المباشرة والنشاط الاجتماعي

ويرى الباحثون أن الهواتف الذكية ساهمت في تغيير طريقة تواصل الناس وقضاء أوقات فراغهم، حيث انخفضت اللقاءات الاجتماعية المباشرة والنشاطات المشتركة بين الشباب، بالتزامن مع زيادة الوقت الذي يقضيه المستخدمون على الإنترنت ومواقع التواصل والمحتوى الرقمي.

وبحسب الدراسة، تزامن انتشار الهواتف الذكية مع انخفاض ملحوظ في النشاط الجنسي بين الشباب وتراجع الوقت الذي يقضونه مع الأصدقاء وجهًا لوجه، وهو ما قد يكون أحد العوامل المؤثرة في انخفاض معدلات الإنجاب.

ظاهرة عالمية تتجاوز الحدود

ولم تقتصر النتائج على الولايات المتحدة فقط، إذ توصلت دراسة أخرى أجرتها جامعة سينسيناتي إلى نتائج مشابهة بعد تحليل بيانات من 128 دولة حول العالم.

وأظهرت الدراسة أن تراجع معدلات الإنجاب تسارع في العديد من الدول بمجرد انتشار الهواتف الذكية على نطاق واسع، رغم الاختلافات الكبيرة بين هذه الدول من حيث الثقافة والاقتصاد وأنظمة الرعاية الصحية، ما دفع الباحثين إلى وصف الهواتف الذكية بأنها "صدمة تكنولوجية عالمية" ربما أثرت على السلوك البشري في مختلف المجتمعات.

علماء يحذرون: الارتباط لا يعني السببية

ورغم النتائج اللافتة، يؤكد عدد من الباحثين أن الدراسات الحالية لا تثبت بشكل قاطع أن الهواتف الذكية هي السبب المباشر لانخفاض الإنجاب.

ويشير منتقدون إلى أن معدلات الخصوبة بدأت في التراجع قبل ظهور الهواتف الذكية بسنوات طويلة، كما أن عوامل مثل الأوضاع الاقتصادية وأزمات الإسكان وتغير أنماط الحياة وتأخر الزواج لا تزال تلعب أدوارًا مهمة في تشكيل المشهد الديموغرافي العالمي.

هل غيرت التكنولوجيا مستقبل الأسرة؟

ومع استمرار انخفاض معدلات المواليد في عشرات الدول، يزداد اهتمام الباحثين بفهم التأثيرات الاجتماعية طويلة المدى للتكنولوجيا الحديثة على العلاقات الإنسانية وتكوين الأسر.

ورغم أن الهواتف الذكية وفرت وسائل غير مسبوقة للتواصل والوصول إلى المعلومات، فإن بعض العلماء يعتقدون أن تأثيرها على العلاقات الاجتماعية المباشرة قد يحمل تبعات ديموغرافية لم تكن متوقعة قبل عقدين فقط، وهو ما يتطلب مزيدًا من الدراسات لفهم الصورة الكاملة.