النهار
جريدة النهار المصرية

أهم الأخبار اقتصاد

أكشاك الشوارع ... اقتصاد ظل بمليارات الجنيهات خارج الحسابات الرسمية

صفاء عويضة -

لا تمثل الأكشاك مجرد منافذ بيع صغيرة منتشرة في الشوارع بل تعد أحد الوجوه البارزة لاقتصاد الظل في مصر والذي تقدر تعاملاته بمليارات الجنيهات سنويا، ففي الوقت الذي أعلنت فيه بعض المحافظات إزالة عشرات ومئات الأكشاك المخالفة خلال حملات الإشغالات، لا تزال أعداد الأكشاك غير المرخصة على مستوى الجمهورية غير معلنة رسميا، الأمر الذي يثير تساؤلات حول حجم النشاط الاقتصادي المتأثر بهذه القرارات ومدى إمكانية تحويله لنشاط رسمي يسهم في زيادة الإيرادات العامة بدلا من خروجه الكامل من السوق، وتزداد أهمية هذا الملف في ظل وجود 1.95 مليون منشأة غير رسمية وفق بيانات التعداد الاقتصادي الأخير ومساهمة الاقتصاد غير الرسمي بما يتراوح بين 30% و40% من الناتج المحلي الإجمالي بينما تذهب تقديرات أخرى إلى مستويات أعلى قد تصل إلى 50%.

وفي سياق ذلك، أوضح الدكتور وليد عادل ،الخبير الاقتصادي بأن الأكشاك في مصر ليست مجرد "صناديق بيع" على الأرصفة لكنها تمثل شريحة واسعة من الاقتصاد غير الرسمي وتؤدي دور اقتصادي واجتماعي معقد لذلك فالتعامل معها بمنطق الإزالة فقط قد يكون حل اداري سريع لكنه اقتصاديا ليس دائما الأكثر كفاءة.

وتساءل الخبير الاقتصادي بأن إذا كانت الدولة تسعى فعلا لتوسيع القاعدة الضريبية، فالسؤال المنطقي لماذا يتم إخراج آلاف الأنشطة الصغيرة من السوق بدل دمجها؟، مشيرا هنا تظهر المعضلة الأساسية بين “التنظيم العمراني” و”الاحتواء الاقتصادي”، مشيرا إلي أن بعض الجهات ترى الأكشاك باعتبارها تشويها بصريا أو عائق مروري أو نشاط غير منظم بينما اقتصاديا هي تمثل مصدر دخل لآلاف الأسر وحلقة توزيع سريعة للسلع اليومية منخفضة التكلفة، مؤكدا علي أن الإزالة أسهل إداريا من التقنين لكن التقنين أكثر ربحية على المدى الطويل لأن الكشك عندما يدخل المنظومة الرسمية سيدفع رسوم تراخيص وضرائب مبسطة وتأمينات وربما مقابل انتفاع للمكان أي أن الدولة تتحول من “مطاردة نشاط” إلى “تحصيل إيراد مستدام”.

وأشار "عادل" بأن الدول التي نجحت في دمج الاقتصاد غير الرسمي لم تبدأ بالعقوبات بل بالحوافز قائلا "يعني بدل ما صاحب الكشك يخاف من الترخيص يشعر أن دخوله المنظومة الرسمية سيمنحه حماية قانونية وكهرباء ومرافق رسمية مع إمكانية الحصول على تمويل صغير وحق مزاولة النشاط دون حملات إزالة مفاجئة وهنا فقط يتحول الاقتصاد الموازي إلى اقتصاد دافع للضرائب" .

وأكد الخبير الاقتصادي أن أزمة الأكشاك تكشف بالفعل فجوة واضحة في سياسات دعم المشروعات متناهية الصغر لأن الخطاب الرسمي دائما يتحدث عن دعم “المشروعات الصغيرة” لكن على الأرض ما زال جزء كبير من الأنشطة البسيطة يواجه تعقيدات تراخيص ورسوم متعددة مع تضارب جهات الاختصاص وعدم وجود نموذج قانوني مرن يناسب النشاط الصغير جدًا علما أن صاحب الكشك لا يستطيع التعامل بنفس قواعد مصنع أو شركة متوسطة.

موضحا عن حجم مساهمة الأكشاك في الاقتصاد غير الرسمي فرغم صعوبة وجود رقم دقيق إلا أن الاقتصاد غير الرسمي في مصر يقدر بأنه يمثل نسبة ضخمة من النشاط الاقتصادي والتوظيف والأكشاك جزء من هذا المشهد، خصوصا في تجارة التجزئة وتوزيع السلع السريعة والخدمات اليومية منخفضة التكلفة وبالتالي تحويل هذا النشاط إلى الاقتصاد الرسمي قد يمنح الدولة قاعدة بيانات اقتصادية أوسع وإيرادات ضريبية تدريجية وتقليل التداول النقدي غير المرصود لكن بشرط مهم جدًا ألا تتحول عملية التقنين نفسها إلى عبء مالي يدفع أصحاب الأكشاك للهروب مجددا.

وأختتم الخبير الاقتصادي حديثه بأن إذا كانت هناك أسواق حضارية ورسوم منطقية وتراخيص سريعة فهنا تصبح الإزالة عبارة عن "عادة تنظيم" لا "إقصاء اقتصادي"، مشيرا بأن الدولة إذا نظرت للأكشاك باعتبارها مصدر تشغيل ونقطة توزيع للسلع ومدخلا لدمج الاقتصاد غير الرسمي فهي فرصة اقتصادية حقيقية أما إذا اقتصر التعامل معها على البعد الأمني أو الشكلي فقط، فستظل الدولة تخسر جزءا من النشاط الاقتصادي والإيرادات المحتملة بينما يعود النشاط نفسه بأشكال غير منظمة فى أماكن أخرى.