هل تفتح الانتخابات الإثيوبية باب الاستقرار أم تمثل بداية النهاية لآبي أحمد؟
أستاذة علوم سياسية لـ ”النهار”: انتخابات أثيوبيا تفتقر لشروط الديمقراطية وستدفع البلاد نحو صراع جديد

في مشهد سياسي معقد، انطلقت الانتخابات البرلمانية الإثيوبية وسط تساؤلات واسعة حول مدى قدرتها على تحقيق الاستقرار في بلد يعاني من أزمات أمنية وصراعات داخلية متواصلة.
ورغم أن الحكومة تقدم الانتخابات باعتبارها خطوة نحو تعزيز الشرعية السياسية، فإن استبعاد إقليم تيغراي بالكامل من العملية الانتخابية، واستمرار العمليات العسكرية ضد ميليشيات "فانو" في إقليم أمهرة، يثيران شكوكًا جدية بشأن شمولية الاستحقاق الانتخابي وقدرته على التعبير عن الإرادة الحقيقية لجميع الإثيوبيين.
وتشير التوقعات إلى أن حزب الازدهار الحاكم بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد سيفوز بأغلبية مريحة داخل البرلمان، مستفيدًا من حالة التفكك التي تعاني منها قوى المعارضة، إلى جانب مقاطعة بعض الأحزاب واستبعاد أخرى من المشهد السياسي، ما يجعل نتيجة الانتخابات شبه محسومة سلفًا، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كان الفوز المتوقع سيمنح الحكومة شرعية سياسية حقيقية أم مجرد شرعية قانونية تفتقر إلى التوافق الوطني.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستكون هذه الانتخابات نقطة انطلاق نحو استقرار سياسي طال انتظاره، أم أنها ستؤسس لمرحلة جديدة من الاحتقان قد تجعل الفوز الانتخابي بداية تحديات أكبر تهدد مستقبل أبي أحمد وتكون بداية نهايته ؟
وأجابت أستاذة العلوم السياسية والخبيرة في الشأن الإفريقي، الدكتورة نجلاء مرعي، في تحليل خاص ل"النهار" علي هذا السؤال قائلة:"إن الانتخابات البرلمانية السابعة الحالية في إثيوبيا تمثل استمراراً للأزمات أكثر من كونها مخرجاً منها"، مؤكدة أن هذه الانتخابات تعد اختباراً لشرعية الدولة الإثيوبية واستمرارها، وليست حلاً جذرياً للانقسامات والصراعات القائمة.
كما أوضحت:"إن الانتخابات الحالية تشكل اختباراً حقيقياً لاستقرار الدولة في وقت تتراكم فيه الأزمات التي تواجه أديس أبابا، سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي، أو في محيطها بمنطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، فضلاً عن التحديات المرتبطة بعلاقاتها الدولية".
وأضافت مرعي أن:"هذه الانتخابات لا تقتصر على كونها عملية اقتراع وصناديق انتخابية، بل تمثل اختباراً وجودياً لدولة تعاني بالفعل من انقسامات عميقة تهدد تماسكها والنسيج الذي تقوم عليه"، مشيرة إلي أن هذه الانتخابات تختلف عن المرحلة التي صعد فيها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، حين ارتبطت تلك المرحلة بآمال واسعة للإصلاح والانفتاح الديمقراطي، غير أن البلاد سرعان ما انزلقت إلى حرب أهلية في إقليم تيغراي، والتي تعد من أعنف النزاعات المسلحة التي شهدها القرن الحادي والعشرون.
بالإضافة إلي ذلك أكدت مرعي قائلة :"إن الانتخابات تأتي في ظل تحديات أمنية واقتصادية معقدة"، موضحة الضغوط الأمنية قائلة :"إن الوضع في إقليم تيغراي لا يزال هشاً رغم اتفاق السلام، فيما تستمر المواجهات في إقليمي أوروميا وأمهرة بين القوات الفيدرالية والجماعات المسلحة، وعلى رأسها جيش تحرير أورومو وميليشيات فانو، وهو ما يفرض ضغوطاً أمنية كبيرة على الدولة الإثيوبية".
وفيما يخص الجانب الاقتصادي، أشارت إلى أن البلاد تعاني تداعيات سياسات التحرير الاقتصادي التي انتهجها آبي أحمد، والتي كان يُعول عليها لجذب الاستثمارات الأجنبية، إلا أن نتائجها انعكست في صورة أزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة، تمثلت في ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين بشكل ملحوظ.
وأضافت أن :"هذه الظروف الاقتصادية لا يمكن فصلها عن المشهد الانتخابي، إذ يسهم الضغط في خلق بيئة خصبة لتغذية التمردات الإقليمية واستقطاب المقاتلين إلى صفوف الجماعات المسلحة، في ظل تفشي الفقر والبطالة وغياب الفرص أمام الشباب، وهو ما يضعف الولاء للدولة ويعزز الانقسامات الإثنية".
كما لفتت استاذة العلوم السياسية إلى عامل آخر بالغ الأهمية يتمثل في ضعف المشاركة السياسية وغياب المعارضة الحقيقية، مشيرة إلى أن إقليم تيغراي أعلن عدم مشاركته في الانتخابات، إلى جانب ما وصفته بالتضييق على الإعلام المستقل ومنظمات المجتمع المدني، موضحة أن العديد من قوى المعارضة وجدت نفسها أمام خيارات محدودة، فاختارت بعض الأحزاب البارزة المقاطعة، مثل المؤتمر الفيدرالي الأورومي وجبهة تحرير أوروميا، واختار اقليم التيغراي عد المشاركة ما يثير تساؤلات ومخاوف من غياب ديمقراطية العملية الانتخابية، متسائلة: "كيف يمكن وصف الانتخابات بأنها حرة ونزيهة في الوقت الذي يعيش فيه نحو ثلث سكان البلاد إما تحت حالة الطوارئ أو في مناطق خاضعة لسيطرة جماعات مسلحة أو وسط أزمات سياسية وإدارية خانقة؟".
وأكدت مرعي:"إن الانتخابات لا تستوفي الشروط الديمقراطية اللازمة، ولا يمكن اعتبارها انتخابات حقيقية بالمعايير الديمقراطية المتعارف عليها، لكنها في الوقت نفسه تضع البلاد أمام لحظة سياسية حاسمة".
كما أضافت أن الخطر الحقيقي يكمن في تعقيد المشهد السياسي بعد الانتخابات، متوقعة استمرار الأوضاع القائمة دون حدوث تغيير جوهري، رغم الوعود التي يطرحها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بشأن تجاوز المرحلة الحالية، في واحدة من أكثر الدول الإفريقية كثافة سكانية.
وأشارت إلى أن غياب المعارضة الفاعلة يدفع إلى طرح عدة سيناريوهات لما بعد الانتخابات، أبرزها حصول آبي أحمد على تفويض جديد يعزز قبضته على السلطة، في ظل هيمنة حزب الازدهار على المشهد السياسي والبرلمان، وهو ما قد يمنحه ولاية جديدة بعيداً عن أي مساءلة سياسية حقيقية.
كما حذرت من أن الانتخابات قد تدفع البلاد نحو أزمات إضافية، خاصة فيما يتعلق بإقليم تيغراي، مشيرة إلى وجود تقديرات لدى بعض المحللين تفيد بإمكانية سعي جبهة تحرير شعب تيغراي، التي لا تزال القوة المهيمنة داخل الإقليم، إلى استعادة نفوذها الكامل، وهو ما قد يفتح الباب أمام اندلاع مواجهة جديدة مع الحكومة الإثيوبية.
وبناء علي ما سبق وضحت مرعي السيناريوهات المحتملة لما بعد الانتخابات، موضحه أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في إعادة إنتاج الهيمنة الحزبية القائمة، في ظل غياب منافسة سياسية حقيقية وسيطرة حزب الازدهار على البرلمان بأغلبية ما سيمنح آبي أحمد ولاية ثانية في منأى عن أي مساءلة سياسية حقيقية.
كما أشارت إلى سيناريو آخر يتعلق بتفاقم التدهور الأمني، إذ قد يؤدي إجراء الانتخابات وسط الحروب والصراعات المستمرة إلى زيادة الاحتقان الداخلي، لا سيما مع حرمان ملايين المواطنين في مناطق النزاع من ممارسة حقهم في التصويت.
وختمت بالقول إن سيناريو التسوية السياسية والحوار الوطني الشامل يظل مطروحاً نظرياً، لكنه يبقى الأقل ترجيحاً في المرحلة الراهنة بسبب غياب الإرادة السياسية اللازمة لتحقيقه

