النهار
جريدة النهار المصرية

صحة ومرأة

اختراق علمي جديد.. فحوصات الدماغ تكشف أسرارًا خفية وراء اختلاف حالات التوحد

اختلافات التوحد
بيتر إبراهيم -

توصل فريق دولي من الباحثين إلى اكتشاف مهم قد يغير فهم العلماء لاضطراب طيف التوحد، بعدما كشف عن وجود نوعين بيولوجيين رئيسيين من التوحد يرتبط كل منهما بأنماط مختلفة من التواصل بين مناطق الدماغ وآليات بيولوجية متميزة. وتُعد هذه النتائج خطوة مهمة نحو تطوير علاجات أكثر دقة وتخصيصًا للمصابين بالتوحد.

ونُشرت الدراسة في دورية "Nature Neuroscience"، وقادها باحثون من المعهد الإيطالي للتكنولوجيا (IIT) ومؤسسة "تشايلد مايند" الأمريكية، حيث اعتمدت على تحليل صور الرنين المغناطيسي الوظيفي لأدمغة 940 طفلًا وشابًا مصابًا بالتوحد، إضافة إلى أكثر من ألف شخص غير مصاب، مع مقارنة النتائج ببيانات مستمدة من 20 نموذجًا حيوانيًا مختلفًا للتوحد.

وكشفت النتائج عن وجود نمطين رئيسيين؛ الأول يتميز بانخفاض التواصل بين مناطق الدماغ المختلفة، ويُعرف باسم "نقص الاتصال العصبي" (Hypoconnectivity)، بينما يتميز الثاني بزيادة التواصل بين هذه المناطق، ويُعرف باسم "فرط الاتصال العصبي" (Hyperconnectivity). وأظهرت التحليلات أن لكل نمط أساسًا بيولوجيًا مختلفًا.

وأشار الباحثون إلى أن نمط "نقص الاتصال العصبي" يرتبط باضطرابات في الوصلات العصبية المسؤولة عن نقل الإشارات بين الخلايا العصبية، في حين ارتبط نمط "فرط الاتصال العصبي" بآليات متعلقة بالجهاز المناعي والعمليات الجزيئية المنظمة لنشاط الخلايا. كما أكدت تحليلات التعبير الجيني وجود هذه الاختلافات البيولوجية بين المجموعتين.

وأظهرت الدراسة أن هذين النوعين لا يفسران جميع حالات التوحد، بل يمثلان نحو ربع المشاركين الذين خضعوا للتحليل. ومع ذلك، تمكن الباحثون من تكرار النتائج عبر قواعد بيانات مستقلة ومراكز بحثية متعددة، ما يعزز موثوقية الاكتشاف ويشير إلى أن الاختلافات البيولوجية الكامنة قد تكون أحد أسباب التنوع الكبير في أعراض التوحد بين الأفراد.

كما رصد العلماء اختلافات طفيفة في شدة الأعراض بين المجموعتين، حيث سجل أصحاب نمط "فرط الاتصال العصبي" درجات أعلى نسبيًا في بعض مقاييس تقييم أعراض التوحد مقارنة بالمجموعة الأخرى. وأوضح الباحثون أن المؤشرات الدماغية الحيوية قد تكشف فروقًا لا تظهر بوضوح من خلال التقييمات السلوكية التقليدية وحدها.

ويرى الخبراء أن هذا الاكتشاف يدعم التوجه المتزايد نحو "الطب الدقيق" في مجال الاضطرابات العصبية والنمائية، إذ قد يساعد مستقبلًا في تصميم برامج علاجية وتدخلات تتناسب مع الآليات البيولوجية الخاصة بكل مجموعة من المرضى بدلًا من الاعتماد على نهج علاجي موحد للجميع. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن طيف التوحد أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في نوعين فقط، وأن الدراسات المستقبلية قد تكشف عن أنماط بيولوجية إضافية مع توفر بيانات أوسع وأدوات تحليل أكثر تطورًا.