إسرائيل تقصف مركبة للجيش اللبناني وتقتل 3 عسكريين.. وأول تعليق من ”عون”

دخل التصعيد الإسرائيلي في لبنان مرحلة أكثر خطورة بعد استشهاد ثلاثة عسكريين لبنانيين، بينهم ضابطان، في غارة إسرائيلية استهدفت آلية عسكرية على طريق كفرتبنيت – الخردلي في قضاء النبطية جنوبي البلاد، في حادثة أعادت إلى الواجهة مسألة استهداف الجيش اللبناني نفسه، وليس فقط مواقع أو عناصر مرتبطة بحزب الله.
وأعلن الجيش اللبناني أن الغارة أسفرت عن استشهاد ضابطين برتبتي عميد ونقيب، إضافة إلى جندي، واصفاً الهجوم بأنه امتداد للعدوان الإسرائيلي الوحشي والمتعمد والمتكرر على لبنان ومؤسساته العسكرية. وأكدت قيادة الجيش أن استمرار هذه الاعتداءات يستهدف تقويض الجهود الرامية إلى استعادة الاستقرار وفرض وقف شامل لإطلاق النار وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية.
في المقابل، أقر الجيش الإسرائيلي بتنفيذ الغارة، مدعياً أنه رصد مركبة "أثارت الشبهات" بالقرب من قواته في محيط بلدة تبنيت، وزعم أن معلومات استخباراتية وتحذيرات ميدانية أشارت إلى وجود خطر محتمل على قواته في المنطقة. وقال إن التحقيقات الأولية أظهرت لاحقاً أن المركبة كانت تقل ضابطين وجندياً من الجيش اللبناني.
غير أن هذه الرواية أثارت تساؤلات واسعة، خاصة أن إسرائيل لطالما أكدت امتلاكها منظومات استطلاع ومراقبة متطورة وقدرات استخباراتية عالية الدقة تمكنها من تحديد الأهداف وهويتها قبل تنفيذ عمليات القصف، الأمر الذي يضعف منطق "الخطأ الميداني" الذي تحاول تل أبيب الترويج له عقب كل حادثة مشابهة.
إدانة رسمية
الرئيس اللبناني جوزيف عون تعامل مع الحادثة بوصفها اعتداءً مباشراً على سيادة الدولة اللبنانية، مؤكداً أن استهداف دورية الجيش يشكل انتهاكاً صارخاً للقوانين والأعراف الدولية وللسيادة الوطنية.
وفي بيان رسمي، أدان عون الهجوم الإسرائيلي بأشد العبارات، مشيراً إلى أن العسكريين الثلاثة انضموا إلى قائمة طويلة من الضحايا اللبنانيين الذين سقطوا منذ بدء التصعيد، بينهم مدنيون وأطفال وعاملون في الإسعاف والإنقاذ وإعلاميون.
واعتبر الرئيس اللبناني أن الاعتداء يأتي في سياق تصعيد مستمر يهدد الأمن والاستقرار في الجنوب، رغم المساعي السياسية والدبلوماسية التي تبذلها بيروت في إطار المفاوضات الجارية مع واشنطن للتوصل إلى ترتيبات توقف الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة.
وأكد عون أن لبنان لن يتراجع عن الدفاع عن حقوقه الوطنية وسيادته، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته وإلزام إسرائيل باحترام القرارات الدولية ووضع حد للخروقات المتكررة التي تهدد استقرار البلاد.
وقف نار متآكل
تكشف الغارة الأخيرة حجم التآكل الذي أصاب اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أبريل الماضي، والذي جرى تمديده بوساطة أمريكية حتى مطلع يوليو المقبل، في محاولة لمنع انزلاق الحدود اللبنانية إلى مواجهة شاملة.
فمنذ أسابيع تتصاعد الخروقات الإسرائيلية بصورة شبه يومية عبر الغارات الجوية والقصف المدفعي وإنذارات الإخلاء التي تطال قرى وبلدات جنوبية، فيما تبرر تل أبيب عملياتها بادعاءات تتعلق بوجود نشاط لحزب الله أو خرقه للتفاهمات الأمنية القائمة.
لكن استهداف آلية عسكرية تابعة للجيش اللبناني نفسه يضع علامات استفهام إضافية حول مستقبل التفاهمات المطروحة، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على المواجهة مع حزب الله، بل بات يمس المؤسسة العسكرية الرسمية التي تمثل أحد أعمدة الاستقرار الداخلي اللبناني.
ويشير هذا التطور إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار ما زال هشاً وعاجزاً عن منع العمليات العسكرية الإسرائيلية، رغم الضمانات الأمريكية والتحركات الدبلوماسية التي رافقت الإعلان عنه.
مأزق المفاوضات
جاءت الغارة في توقيت حساس، بعد أيام فقط من إعلان الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل التوصل إلى إعلان نوايا في ختام جولة تفاوض رابعة استضافتها واشنطن، تضمن ترتيبات أمنية تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإبعاد عناصر حزب الله عن المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني.
غير أن هذه التفاهمات واجهت منذ لحظة الإعلان عنها اعتراضات سياسية داخل لبنان، كان أبرزها موقف الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الذي اعتبر نتائج المفاوضات مرفوضة من قطاعات واسعة من اللبنانيين.
ويعكس استهداف الجيش اللبناني خلال هذه المرحلة التفاوضية تعقيد المشهد أكثر، إذ يضعف الثقة بقدرة المسار السياسي على إنتاج استقرار حقيقي، ويمنح القوى الرافضة للتفاهمات الجديدة مزيداً من الحجج للتشكيك بجدوى الرهانات على الوساطة الأمريكية.
كما أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية بالتزامن مع المفاوضات يطرح تساؤلات حول مدى التزام تل أبيب بأي ترتيبات مستقبلية، خصوصاً في ظل اعتمادها المتكرر على سياسة فرض الوقائع الميدانية بالقوة العسكرية.
حرب تتوسع
يأتي هذا التطور في سياق العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان منذ مارس الماضي، والذي اتسعت رقعته على خلفية الحرب الإقليمية المرتبطة بالمواجهة مع إيران وحلفائها في المنطقة.
ووفق المعطيات اللبنانية، خلفت العمليات العسكرية الإسرائيلية حتى الآن 3558 شهيدا و10870 جريحاً، إضافة إلى أكثر من مليون نازح اضطروا إلى مغادرة مناطقهم نتيجة القصف المتواصل وتدهور الأوضاع الأمنية.
وتشير هذه الأرقام إلى أن لبنان بات يواجه حرب استنزاف مفتوحة تتجاوز حدود المواجهة التقليدية مع حزب الله، لتطال البنية المدنية والعسكرية للدولة وتضع البلاد أمام تحديات أمنية وإنسانية متصاعدة.
وفي ظل استمرار الغارات واستهداف الجيش اللبناني نفسه، تبدو فرص تثبيت وقف إطلاق النار أكثر هشاشة من أي وقت مضى، بينما يتجه الجنوب اللبناني نحو مرحلة جديدة من التوتر قد تدفع بالأزمة إلى مستويات أكثر خطورة إذا استمرت الاعتداءات الإسرائيلية دون رادع أو مساءلة دولية.

