الكونغرس ينتزع صلاحيات الحرب من ترامب وسط تصاعد المعارضة
تمرد داخل واشنطن.. الكونغرس يوجه ضربة سياسية لترامب ويطالب بوقف الحرب على إيران

في تطور سياسي لافت يعكس تصاعد الانقسام داخل المؤسسة السياسية الأمريكية بشأن الحرب مع إيران، وافق مجلس النواب الأمريكي على قرار يتعلق بصلاحيات الحرب يهدف إلى وقف العمل العسكري الأمريكي ضد طهران، في خطوة اعتبرها مراقبون تحديًا مباشرًا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورسالة واضحة من الكونغرس بأن التأييد للحرب لم يعد كما كان في بداياتها.
وجاء التصويت داخل مجلس النواب، الأربعاء 3 يونيو 2026، بعدما تقدم أعضاء الحزب الديمقراطي بمشروع قرار يطالب بوقف العمليات العسكرية ضد إيران إلى حين حصول الإدارة الأمريكية على تفويض رسمي من الكونغرس للقيام بأي أعمال قتالية، استنادًا إلى الصلاحيات الدستورية التي تمنح السلطة التشريعية حق إعلان الحروب والموافقة عليها.
تصويت أربك البيت الأبيض
أسفرت عملية التصويت عن موافقة 215 نائبًا مقابل رفض 208 نواب، بعدما انضم أربعة أعضاء جمهوريين إلى الديمقراطيين وصوتوا لصالح القرار، في مؤشر واضح على تنامي حالة القلق والانقسام داخل الحزب الجمهوري نفسه بشأن استمرار الحرب وتداعياتها.
ويرى مراقبون أن نتيجة التصويت تمثل ضربة سياسية للرئيس دونالد ترامب، ليس فقط بسبب تمرير القرار، وإنما لأنها كشفت عن اتساع دائرة المعارضة داخل الكونغرس للحرب الجارية، رغم الدعم السياسي الذي كانت تحظى به الإدارة الأمريكية خلال المراحل الأولى من الصراع.
ورغم أن القرار لا يزال ذا طابع رمزي إلى حد كبير، نظرًا لامتلاك الرئيس الأمريكي حق النقض "الفيتو"، فضلًا عن ضرورة حصوله على موافقة مجلس الشيوخ قبل أن يتحول إلى إجراء ملزم قانونيًا، فإن أهميته السياسية تكمن في الرسالة التي بعث بها المشرعون إلى البيت الأبيض، والتي مفادها أن استمرار الحرب لم يعد يحظى بالإجماع السياسي الذي كانت الإدارة تعتمد عليه سابقًا.
رئيس مجلس النواب حاول تعطيل المسار
وقبل أسبوعين فقط من التصويت، حاول رئيس مجلس النواب الأمريكي مايك جونسون منع الوصول إلى هذه النتيجة، عندما أوقف بشكل مفاجئ أعمال المجلس في وقت كان فيه قرار صلاحيات الحرب على وشك الوصول إلى التصويت.
لكن تلك الخطوة لم تنجح في احتواء حالة التململ المتزايدة داخل الكونغرس، حيث استمرت الانتقادات الموجهة للحرب في التصاعد مع استمرار العمليات العسكرية وارتفاع تكلفتها البشرية والاقتصادية، إلى جانب فشل إدارة ترامب حتى الآن في التوصل إلى تسوية سياسية أو دبلوماسية سريعة تنهي الصراع.
كما ساهمت التقارير المتزايدة حول حجم الإنفاق العسكري والخسائر الاقتصادية المترتبة على الحرب في زيادة الضغوط على عدد من النواب الجمهوريين الذين بدأوا يبدون تحفظات متزايدة على استمرار المواجهة العسكرية دون أفق واضح لإنهائها.
فاتورة الحرب تشعل الغضب
وخلال المناقشات التي سبقت التصويت، شن زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب والنائب عن ولاية نيويورك حكيم جيفريز هجومًا حادًا على إدارة ترامب، واصفًا الحرب بأنها "حرب اختيارية متهورة ومكلفة"، مطالبًا بوقفها فورًا.
وأكد جيفريز أن الحرب كلفت دافعي الضرائب الأمريكيين أكثر من 100 مليار دولار، وهو رقم أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الأمريكية، في ظل تصاعد المخاوف من تأثيراتها على الاقتصاد الأمريكي.
وأضاف أن استمرار الحرب لم يؤد إلى تعزيز الموقف الأمريكي كما كانت الإدارة تعلن، بل ساهم في إضعافه وجعل الولايات المتحدة في وضع أكثر تعقيدًا مما كانت عليه قبل اندلاع الصراع.
وتزامنت هذه الانتقادات مع تنامي المخاوف داخل المؤسسات الأمريكية من احتمال اتساع رقعة المواجهة في الشرق الأوسط، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية.
انقسام جمهوري غير مسبوق
ويحمل التصويت الأخير أهمية خاصة كونه يمثل المرة الرابعة التي يحاول فيها مجلس النواب استخدام صلاحياته الدستورية للحد من الحرب الأمريكية ضد إيران، إلا أنها المرة الأولى التي ينجح فيها فعليًا في تمرير هذا النوع من القرارات بعد عدة محاولات سابقة لم تتمكن من حشد الأغلبية اللازمة.
ولم يقتصر التململ على مجلس النواب فقط، ففي الشهر الماضي تقدم مجلس الشيوخ الأمريكي أيضًا بقرار منفصل يتعلق بصلاحيات الحرب، بعدما انشق عدد محدود من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين عن الرئيس دونالد ترامب في مشهد نادر داخل الحزب الجمهوري، ما عكس وجود حالة قلق متزايدة داخل أوساط الحزب بشأن استمرار الحرب دون استراتيجية واضحة للحسم أو رؤية محددة لإنهائها.
ويرى محللون سياسيون أن هذا التوسع التدريجي في دائرة المعترضين داخل الحزب الجمهوري قد يتحول خلال الفترة المقبلة إلى أحد أكبر التحديات السياسية التي تواجه إدارة ترامب، خاصة إذا استمرت العمليات العسكرية لفترة أطول أو ارتفعت تكلفتها البشرية والاقتصادية بصورة أكبر.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الإدارة الأمريكية تمسكها بمواصلة الضغط على إيران، تشير التطورات داخل الكونغرس إلى أن المعركة لم تعد تقتصر على ساحات القتال في الشرق الأوسط، بل امتدت إلى قلب واشنطن نفسها، حيث تتصاعد المواجهة بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية حول حدود صلاحيات الرئيس في إدارة الحروب الخارجية دون تفويض مباشر من الكونغرس.
ومع تزايد الأصوات المطالبة بإنهاء الحرب أو على الأقل إخضاعها لرقابة الكونغرس، تبدو الأسابيع المقبلة مرشحة لمزيد من الصدام السياسي بين المؤسستين التنفيذية والتشريعية، في معركة قد لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية الدائرة خارج الحدود الأمريكية.

