النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

ماذا حدث في الكونجرس الأمريكي بشأن حرب إيران؟

الكونجرس الأمريكي
كريم عزيز -

كشف تصويت مجلس النواب عن بداية انتقال الحرب مع إيران من كونها ملفا أمنيا خارجيا إلى قضية صراع سياسي داخلي داخل الولايات المتحدة، فعلى مدى الأشهر الأولى للحرب نجحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تقديم الصراع باعتباره استجابة ضرورية لتهديد إيراني مباشر، لكن استمرار العمليات العسكرية دون نهاية واضحة دفع عدداً متزايداً من النواب إلى النظر للحرب من زاوية مختلفة تتعلق بالكلفة السياسية والاقتصادية والدستورية.

ويشير ذلك إلى أن السؤال المطروح في واشنطن لم يعد يتعلق فقط بكيفية إدارة الحرب، وإنما بمدى الحاجة إلى استمرارها أصلا، وبحسب تحليل عزت إبراهيم، المحلل السياسي، عكس التصويت أزمة ثقة متزايدة بين الكونجرس والبيت الأبيض بشأن المعلومات والتقديرات التي قدمتها الإدارة لتبرير الحرب. فمنذ حرب العراق عام 2003 أصبح المشرعون الأمريكيون أكثر حساسية تجاه أي ادعاءات تتعلق بوجود تهديد وشيك يستدعي عملا عسكريا عاجلا. ومع غياب الأدلة القاطعة التي تقنع جميع الأطراف بأن إيران كانت تشكل خطرا فوريا على الأراضي الأمريكية، بدأ بعض الجمهوريين أنفسهم يتساءلون عما إذا كانت الإدارة قد وسعت نطاق الحرب أكثر مما تسمح به الظروف الفعلية.

وأكد أن انشقاق أربعة نواب جمهوريين عن موقف الحزب أظهر أن الولاء لترامب لم يعد العامل الوحيد المحدد للسلوك السياسي داخل الحزب الجمهوري. فقد نشأ خلال السنوات الأخيرة تيار محافظ جديد يجمع بين النزعة القومية الاقتصادية والشك العميق تجاه التدخلات العسكرية الخارجية. ويستند هذا التيار إلى قناعة بأن الحروب الطويلة تستنزف الموارد الأمريكية وتشتت الانتباه عن المشكلات الداخلية، وهو ما يجعل معارضته للحرب جزءا من رؤية أوسع لمكانة الولايات المتحدة في العالم.

وشدد على أن هذا القرار عكس إدراكا متزايدا داخل المؤسسة التشريعية بأن الحرب بدأت تخلق آثارا اقتصادية يصعب تجاهلها. فارتفاع أسعار الطاقة واستمرار الاضطراب في حركة التجارة العالمية عبر الخليج انعكسا بصورة مباشرة على الاقتصاد الأمريكي وعلى مستويات التضخم وأسعار الوقود. ومع اقتراب الانتخابات النصفية يدرك النواب أن الناخب الأمريكي قد يغفر كثيرا من الإخفاقات السياسية، لكنه نادرا ما يتسامح مع ارتفاع تكاليف المعيشة.

وأوضح أن التصويت أعاد إحياء نقاش دستوري ظل كامنا لعقود حول التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في قضايا الحرب. فمنذ نهاية الحرب الباردة توسعت صلاحيات الرؤساء الأمريكيين بصورة كبيرة في استخدام القوة العسكرية دون إعلان حرب رسمي من الكونجرس. وجاءت حرب إيران لتطرح مجددا سؤالا جوهريا: هل ما زالت الولايات المتحدة تعمل وفقا للنموذج الدستوري الذي يمنح الكونجرس حق إعلان الحرب، أم أنها انتقلت فعليا إلى نظام يمنح الرئيس سلطة شبه مطلقة في هذا المجال؟

وكشف التصويت عن وجود فجوة آخذة في الاتساع بين أولويات النخبة السياسية في واشنطن وأولويات الرأي العام الأمريكي. فبينما تنشغل دوائر الأمن القومي بموازين القوى الإقليمية وردع إيران وحماية النفوذ الأمريكي، ينظر قطاع واسع من المواطنين إلى الحرب من منظور أكثر مباشرة يتعلق بالأسعار والوظائف والاستقرار الاقتصادي. وتاريخيا كانت هذه الفجوة أحد أهم أسباب تراجع الدعم الشعبي للحروب الأمريكية الممتدة.

وشدد على أن القرار أظهر أن الانتخابات النصفية لعام 2026 بدأت تلقي بظلالها على صناعة القرار في واشنطن. فالكثير من النواب الجمهوريين الذين يمثلون دوائر انتخابية متأرجحة يدركون أن الارتباط بحرب طويلة وغير شعبية قد يتحول إلى عبء انتخابي خطير. ومن ثم فإن بعض التحركات الحالية لا تعكس فقط خلافات مبدئية حول الحرب، وإنما أيضا حسابات سياسية مرتبطة بالحفاظ على المقاعد البرلمانية.

وكشف التصويت عن تغير تدريجي في المزاج الفكري داخل الحزب الجمهوري نفسه. فالحزب الذي قاد حربي أفغانستان والعراق قبل عقدين أصبح يضم اليوم أصواتا مؤثرة تشكك في جدوى التدخلات العسكرية الخارجية. ويعكس ذلك تحولا عميقا في طبيعة القاعدة الانتخابية الجمهورية التي باتت أكثر ميلا إلى التركيز على الحدود والهجرة والصناعة الوطنية بدلا من مشاريع إعادة تشكيل الشرق الأوسط.

كما حمل القرار رسالة سياسية مهمة إلى الحلفاء والخصوم في الخارج مفادها أن الإجماع الأمريكي حول الحرب لم يعد قائما. فعندما يرى الشركاء الأوروبيون أو القوى الإقليمية أن الكونجرس نفسه منقسم بشأن استمرار العمليات العسكرية، فإن ذلك يؤثر على حساباتهم بشأن مدى استدامة الالتزام الأمريكي في المنطقة. كما يمنح إيران مؤشرا على حجم الضغوط الداخلية التي تواجهها الإدارة الأمريكية، بحسب عزت إبراهيم.

وأظهر التصويت أن الحرب بدأت تستهلك رأس المال السياسي للرئيس ترامب. فخلال الأشهر الأولى كان البيت الأبيض قادرا على فرض أولوياته بسهولة نسبية داخل الكونجرس، لكن استمرار النزاع وتزايد الانتقادات جعلا بعض الجمهوريين أكثر استعدادا لإظهار الاستقلالية. وهذه الظاهرة غالبا ما تظهر في الولايات المتحدة عندما تتحول الحروب من عمليات سريعة إلى أزمات مفتوحة الأفق.

وأكد أن القرار يعكس صعود ما يمكن تسميته بتيار «أمريكا أولا» في نسخته الأكثر تشددا. فهذا التيار لا يرفض فقط الحروب الخارجية، وإنما ينظر إليها باعتبارها انحرافا عن المهمة الأساسية للحكومة الأمريكية المتمثلة في حماية الحدود وتحسين الاقتصاد ومواجهة المنافسين الكبار مثل الصين. ومن هذه الزاوية تبدو حرب إيران بالنسبة له عبئا استراتيجيا أكثر منها فرصة لتعزيز النفوذ الأمريكي.

وكشف التصويت عن حدود قدرة البيت الأبيض على التحكم الكامل في الأجندة السياسية. فقد حاولت القيادة الجمهورية تأجيل التصويت أملا في كسب أصوات إضافية وإظهار وحدة الحزب، لكن النتيجة النهائية أكدت أن استمرار الحرب جعل من الصعب احتواء المعارضة المتنامية داخل الكونجرس. وهذا في حد ذاته مؤشر على تراجع قدرة الإدارة على إدارة السردية السياسية المرتبطة بالحرب.

وأعاد القرار التذكير بالدروس التاريخية التي خلفتها حروب فيتنام والعراق وأفغانستان. فكل تلك الحروب بدأت بتأييد سياسي واسع ثم تحولت تدريجيا إلى مصدر انقسام داخلي عندما امتد أمدها وارتفعت تكاليفها. ولذلك ينظر كثير من المراقبين الأمريكيين إلى الجدل الحالي باعتباره بداية مرحلة مشابهة قد تتسع إذا استمرت العمليات العسكرية لأشهر إضافية.

وذكر أن الجدل البرلماني يعكس قلقا متزايدا من أن تؤدي الحرب إلى تشتيت التركيز الأمريكي عن المنافسة مع الصين. فخلال السنوات الأخيرة تبنت واشنطن استراتيجية تقوم على اعتبار بكين التحدي الرئيسي طويل الأمد للولايات المتحدة. لكن الانخراط في حرب واسعة بالشرق الأوسط يستهلك الموارد والاهتمام السياسي والعسكري بصورة قد تضعف القدرة الأمريكية على تنفيذ تلك الاستراتيجية.

كما كشف التصويت عن تنامي الشكوك بشأن وجود استراتيجية خروج واضحة من الحرب. فالكثير من النواب الذين دعموا القرار لا يجادلون فقط في شرعية الحرب، وإنما يتساءلون عن أهدافها النهائية. هل تسعى واشنطن إلى ردع إيران؟ أم تغيير سلوكها؟ أم إضعاف نظامها؟ أم فرض اتفاق جديد؟ غياب الإجابات الواضحة يزيد من صعوبة الدفاع عن استمرار العمليات العسكرية.

وأظهر القرار أن المؤسسات الأمريكية ما زالت تحتفظ بقدر من القدرة على مقاومة تركيز السلطة في يد الرئيس. فعلى الرغم من أن فرص إجبار ترامب قانونيا على إنهاء الحرب تبقى محدودة، فإن مجرد نجاح مجلس النواب في تمرير القرار يمثل تأكيدا على أن النظام الأمريكي ما زال يملك أدوات للمراجعة والمساءلة حتى في أوقات الأزمات الكبرى.