مؤسسة حقوقية: أكثر من 9500 مفقود في غزة بينهم 4700 من النساء والأطفال

كشفت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان في غزة عن واحدة من أكثر الملفات الإنسانية قسوة وتعقيداً التي خلفتها الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، عبر تقرير جديد يوثق اتساع ظاهرة المفقودين الفلسطينيين وتحولها إلى أزمة إنسانية وقانونية مركبة تتجاوز حدود الإحصاءات الرقمية إلى سؤال وجودي يتعلق بمصير آلاف العائلات التي تعيش بين الانتظار والفقدان وانعدام اليقين.
وقالت المؤسسة في تقريرها الصادر الأربعاء 3 يونيو 2026 بعنوان “المفقودون الفلسطينيون في قطاع غزة في ظل حرب الإبادة الجماعية” إن عدد حالات الفقد وانقطاع الأخبار تجاوز 9500 حالة، من بينهم نحو 4700 من النساء والأطفال، في مؤشر يعكس الحجم غير المسبوق للكارثة الإنسانية التي أنتجتها الحرب وما رافقها من دمار واسع واستهداف متواصل للبنية المدنية والسكانية في القطاع.
ولا ينظر التقرير إلى ملف المفقودين بوصفه نتيجة جانبية للحرب أو أثراً عرضياً للعمليات العسكرية، بل باعتباره أحد أكثر التداعيات تعبيراً عن طبيعة الحرب ذاتها، بما تحمله من استهداف واسع للمدنيين، وتعطيل لعمليات الإنقاذ، وغياب للقدرة على الوصول إلى الضحايا أو تحديد مصائرهم.
تحت الركام
استند تقرير الضمير إلى رصد ميداني وتوثيق تفصيلي وتحليل قانوني لظروف الفقد، ليكشف أن غالبية المفقودين ينتمون إلى فئة مجهولي المصير تحت أنقاض المباني المدمرة، وهي الفئة التي تمثل النسبة الأعلى من إجمالي الحالات المسجلة.
وبحسب التقرير، يقدر عدد المفقودين العالقين تحت الركام بأكثر من 8100 شخص، ظلوا مدفونين أسفل عشرات آلاف المباني السكنية والمنشآت التي دمرت بصورة كلية نتيجة القصف الجوي والبري والبحري واسع النطاق الذي استهدف مختلف مناطق القطاع على مدار شهور طويلة من الحرب.
ويعكس هذا الرقم، وفق القراءة التي يقدمها التقرير، ليس فقط حجم التدمير الهائل الذي أصاب غزة، بل أيضاً حجم العجز الذي فرضته الحرب على عمليات الإنقاذ وانتشال الضحايا، في ظل استهداف المعدات الثقيلة، وتقييد الوصول إلى المناطق المدمرة، واستمرار العمليات العسكرية التي حولت كثيراً من المواقع إلى مقابر مغلقة لا يمكن الوصول إليها.
مصائر غامضة
لم تتوقف حالات الفقد عند ضحايا القصف والركام، بل توزعت، وفق التقرير، على سياقات أخرى تعكس تشابك المشهد الإنساني والأمني داخل القطاع تحت الحرب والحصار والاحتلال.
وأوضح التقرير أن الجهات الحكومية في غزة أبلغت عن فقدان أكثر من 250 مواطناً اختفوا بصورة مفاجئة أثناء توجههم إلى نقاط توزيع المساعدات الإنسانية أو على ممرات إدخال الشاحنات، وخاصة في المناطق المرتبطة بما يسمى “مؤسسة غزة الإنسانية” التي تديرها شركات أمنية أمريكية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن ظروف الاختفاء والمسؤوليات المرتبطة بها.
كما وثق التقرير فقدان أكثر من 350 شخصاً عبروا السياج الفاصل في اليوم الأول من أحداث 7 أكتوبر 2023، دون أن تتوفر أي معلومات عن مصيرهم منذ ذلك الوقت، في وقت لم تقدم فيه سلطات الاحتلال أي بيانات لعائلاتهم أو للجهات المختصة بشأن أماكن وجودهم أو أوضاعهم القانونية.
وفي سياق آخر، أكدت الجهات الرسمية في غزة، بحسب التقرير، انقطاع أخبار أكثر من 800 فلسطيني جرى اعتقالهم أثناء التنقل من شمال القطاع إلى جنوبه عبر الحواجز العسكرية أو خلال عمليات الاجتياح البري، ما يعزز المخاوف من اتساع دائرة الإخفاء القسري والاحتجاز غير المعلن داخل منظومة الحرب الإسرائيلية على القطاع.
اتهام قانوني
لم يقتصر تقرير الضمير على الجانب التوثيقي والإنساني، بل قدم معالجة قانونية تعتبر أن ما يجري في غزة يشكل انتهاكاً مباشراً لمنظومة القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وأشار التقرير إلى مخالفة ما يحدث لنصوص المواد 136 و137 و140 من اتفاقية جنيف الرابعة، إضافة إلى المادة 33 من البروتوكول الإضافي الأول، واتفاقية حماية الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006، فضلاً عن نظام روما الأساسي الذي يصنف الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية.
وشددت المؤسسة على أن مسؤوليات الاحتلال لا تقتصر على وقف الانتهاكات، بل تشمل واجباً قانونياً مباشراً يتمثل في البحث الفوري عن المفقودين، والكشف عن مصائرهم، وتسليم الرفات، وفتح المجال أمام المنظمات الدولية والطواقم الطبية للوصول غير المقيد إلى المناطق والمواقع التي يعتقد بوجود مفقودين فيها.
وفي هذا الإطار، حملت مؤسسة الضمير سلطات الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن مصير المفقودين، باعتبارها القوة القائمة بالاحتلال وصاحبة السيطرة الفعلية على كامل أراضي القطاع ومعابره ومجاله العملياتي.
صرخة العائلات
لا يتوقف ملف المفقودين عند البعد القانوني أو السياسي، بل يلامس بصورة مباشرة واحدة من أكثر المعاناة الإنسانية إيلاماً داخل المجتمع الفلسطيني، حيث تعيش آلاف الأسر حالة معلقة بين الأمل واليأس، دون قدرة على الحداد أو اليقين أو حتى معرفة الحقيقة الأساسية المتعلقة بمصير أبنائها.
ومن هذا المنطلق، اختتمت مؤسسة الضمير تقريرها بسلسلة من المطالب والتوصيات العاجلة التي اعتبرتها مدخلاً ضرورياً لمعالجة هذه الأزمة المتفاقمة.
ودعت المؤسسة إلى الإفصاح الفوري عن مصير جميع المفقودين، والإفراج عن المحتجزين، والسماح بدخول فرق الإنقاذ والطب الشرعي إلى المواقع المتضررة، إلى جانب إنشاء بنك بيانات جينية لتحديد الهويات وتفعيل آليات التحقيق الدولي ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم.
كما طالبت المؤسسة بسن تشريعات وطنية تكفل حقوق العائلات في معرفة الحقيقة والحصول على التعويض، معتبرة أن العدالة في ملف المفقودين لا تبدأ فقط بالكشف عن المصير، بل بالاعتراف بحجم الجريمة وضمان عدم تحول آلاف الغائبين إلى أرقام مطموسة داخل واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ الفلسطيني المعاصر.

