النهار
جريدة النهار المصرية

منوعات

التوت.. كنز صغير بحجم حبة، يخفي قوة مضادات الأكسدة وسرّ طول العمر

نهى عبدالله -

كتبت : نهى عبدالله

قد تبدو حبات التوت صغيرة متواضعة، لكنها حين تتراص في قالبها المخروطي أو الكروي، الأحمر النابض أو الأسود الداكن أو الأبيض الشفاف، فإنها تحمل داخلها قصة صحية تمتد لآلاف السنين. فالتوت ليس مجرد فاكهة صيفية يلهو بها الأطفال، بل هو دواء طبيعي استخدمته الحضارات القديمة في الصين واليونان، وهو اليوم في صدارة الأطعمة الخارقة التي يوصي بها خبراء التغذية.

ينتمي التوت إلى فصيلة "Moraceae" التي تضم أكثر من 150 نوعاً، وأشهرها التوت الأحمر (الأمريكي)، والتوت الأسود، والتوت الأبيض الذي اشتهرت به مدن جنوب بلاد الشام. وعلى عكس الفراولة التي تنتمي إلى فصيلة مختلفة، يتميز التوت الحقيقي بتركيبة فريدة من العناصر الغذائية، تجعله محط أنظار الباحثين في مجال الوقاية من الأمراض المزمنة.

فاكهة مضادات الأكسدة بلا منازع

يقول الدكتور هاني رشدي، أخصائي التغذية العلاجية، إن "حفنة صغيرة من التوت الطازج تزود الجسم بجرعة هائلة من مركبات الأنثوسيانين التي تعطي التوت لونه الداكن، وتعمل كمضادات أكسدة قوية. هذه المركبات أثبتت فعاليتها في خفض الالتهابات المزمنة، وتقليل خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين".

فنجد أن التوت الأسود يحتوي على مستويات من مضادات الأكسدة تفوق معظم الفواكه الأخرى، بما في ذلك العنب البري. كما أن التوت غني بفيتامين C والحديد والألياف الغذائية، ما يجعله حليفاً ممتازاً لتعزيز المناعة، وتنظيم حركة الأمعاء، وحتى تحسين مظهر البشرة.

من أوراق التوت إلى دودة القز ومرضى السكر

وليس الثمر وحدها ما يميز التوت. فأوراق شجرة التوت الأبيض معروفة منذ قرون في الطب الصيني التقليدي كعلف لدودة القز التي تنتج الحرير، وأيضاً كعلف بشري لضبط مستويات السكر في الدم. وقد وجدت دراسات حديثة أن مستخلص أوراق التوت الأبيض يثبط إنزيمات هضم الكربوهيدرات، مما يبطئ امتصاص السكر بعد الوجبات، وهو ما يجعله مفيداً لمرضى السكري من النوع الثاني، لكن بالطبع تحت إشراف طبي.

التوت الطازج، المجفف، والمربى.. اختيارات متعددة

يتوفر التوت بعدة أشكال، وأفضلها طبعاً الطازج الذي يمكن تناوله كما هو، أو إضافته إلى الزبادي والشوفان والعصائر. والتوت المجفف يشبه الزبيب لكنه أحلى وأكثر كثافة غذائية، لكن يجب الحذر من الأنواع المضافة إليها السكر. أما مربى التوت المنزلية فتحتفظ بجزء من الفوائد، خصوصاً إذا طهيت لفترة قصيرة.

تنبيهات ومحاذير

رغم فوائده الكبيرة، ينصح الخبراء بعدم الإفراط في تناول التوت لمن يعاني من حساسية حبوب اللقاح، لأنه قد يسبب حكة في الفم أو الحلق في بعض الحالات النادرة. كما أن التوت يحتوي على فيتامين K بكميات معتدلة، مما قد يتداخل مع أدوية السيولة مثل الوارفارين، لذلك من الأفضل استشارة الطبيب لمن يتناول هذه الأدوية بانتظام. وأخيراً، لا يُنصح بقطف التوت البري من الطرقات الملوثة بعوادم السيارات، فهو يمتص المعادن الثقيلة.

حبات صغيرة تقاوم الزمن

من شجرة التوت التي ورد ذكرها في الأدب العربي القديم كرمز للكرم والعطاء، إلى مختبرات الأغذية الحديثة التي تدرس إمكانية استخدام مستخلصاتها في أدوية مضادة للشيخوخة، يبقى التوت فاكهة استثنائية. ففي كل حبة صغيرة منه، يتلخص سر من أسرار الطبيعة في موازنة اللذة بالصحة، والحلاوة بالمنفعة، متحدياً صغر حجمه ليكون من أعظم الكنوز الغذائية التي بين أيدينا.