اختراق طبي جديد.. نماذج ثلاثية الأبعاد تكشف المسارات الكهربائية الخفية داخل القلب

نجح باحثون في تطوير تقنيات متقدمة تسمح ببناء خرائط ثلاثية الأبعاد دقيقة للنشاط الكهربائي داخل القلب، ما يمنح الأطباء رؤية غير مسبوقة للمسارات الكهربائية المسؤولة عن اضطرابات النبض، ويفتح الباب أمام علاجات أكثر دقة وفعالية للمرضى الذين يعانون من مشكلات قلبية معقدة.
ووفقًا لتقرير نشره موقع MedicalXpress، اعتمدت أحدث الأبحاث على إنشاء "توأم رقمي" ثلاثي الأبعاد لقلب المريض باستخدام صور الرنين المغناطيسي وتقنيات النمذجة الحاسوبية، بحيث يتمكن الأطباء من دراسة كيفية انتقال الإشارات الكهربائية داخل القلب وتحديد المناطق المسؤولة عن اضطرابات النظم القلبية قبل إجراء التدخل العلاجي الفعلي. وقد حققت هذه التقنية نتائج لافتة في التجارب السريرية الأولى.
وأوضح الباحثون أن اضطرابات نظم القلب، مثل تسرع البطين، غالبًا ما تنشأ بسبب دوائر كهربائية غير طبيعية داخل عضلة القلب، وقد يكون تحديد موقعها بدقة أمرًا صعبًا باستخدام الوسائل التقليدية. لذلك تسمح النماذج الرقمية الجديدة بمحاكاة النشاط الكهربائي للقلب بالكامل واختبار سيناريوهات العلاج المختلفة افتراضيًا قبل تطبيقها على المريض.
وأظهرت نتائج إحدى الدراسات أن المرضى الذين خضعوا لعلاج موجّه باستخدام "التوأم الرقمي" للقلب حققوا معدلات نجاح مرتفعة للغاية في القضاء على اضطرابات النبض الخطيرة، مع تقليل احتمالات عودة المشكلة لاحقًا مقارنة بالطرق التقليدية. كما ساعدت التقنية على تقصير مدة الإجراءات العلاجية وتقليل الضرر الواقع على الأنسجة السليمة من القلب.
وفي تطور موازٍ، يعمل علماء على تطوير أنظمة قادرة على إنشاء خريطة كهربائية ثلاثية الأبعاد كاملة للقلب خلال نبضة واحدة فقط، ما يمنح الأطباء رؤية شاملة لكيفية انتقال الموجات الكهربائية عبر الحجرات الأربع للقلب في الوقت الحقيقي. ويعتقد الباحثون أن هذه التكنولوجيا قد تساعد في اكتشاف أنواع من اضطرابات النظم كانت يصعب ملاحظتها سابقًا.
كما كشفت أبحاث أخرى عن تقنيات جديدة تساعد الجراحين على تحديد الأنسجة الكهربائية الدقيقة داخل القلب أثناء العمليات الجراحية، وهي مناطق مسؤولة عن تنظيم نبضات القلب الطبيعية. ويُعد تجنب إصابة هذه الأنسجة أمرًا بالغ الأهمية، خاصة لدى المرضى الذين يعانون من عيوب خلقية معقدة في القلب.
ويرى العلماء أن الجمع بين التصوير ثلاثي الأبعاد والذكاء الاصطناعي والنماذج الرقمية المتطورة قد يغيّر مستقبل طب القلب خلال السنوات المقبلة، حيث سيسمح بتخصيص العلاج لكل مريض بناءً على البنية الكهربائية الفريدة لقلبه. كما قد يساعد في تقليل الحاجة إلى الإجراءات المتكررة وتحسين فرص النجاح على المدى الطويل.
وأكد الباحثون أن هذه الابتكارات تمثل خطوة مهمة نحو عصر جديد من "الطب الدقيق" في علاج أمراض القلب، حيث لم يعد الأطباء يعتمدون فقط على الصور التقليدية أو القياسات العامة، بل أصبح بإمكانهم دراسة قلب كل مريض بصورة رقمية مفصلة قبل اتخاذ القرار العلاجي الأنسب.

