العلم يفسر لغز القلق المستمر.. آثار التوتر قد تبقى في الدماغ لساعات بعد زوال السبب

كشفت دراسة علمية حديثة أن تأثير التوتر لا ينتهي بمجرد زوال الموقف المسبب له، بل قد يستمر داخل الدماغ لفترة أطول بفضل تغيرات عصبية مرتبطة بمادة الدوبامين، وهي إحدى أهم المواد الكيميائية المسؤولة عن التحفيز والمكافأة وتنظيم السلوك.
ووفقًا لتقرير نشره موقع MedicalXpress، توصل الباحثون إلى أن بعض دوائر الدماغ تظل نشطة حتى بعد انتهاء الحدث المجهد، حيث تستمر إشارات الدوبامين في التأثير على الخلايا العصبية لفترات ممتدة، ما قد يفسر استمرار مشاعر القلق أو التوتر أو التأهب حتى بعد زوال الخطر الفعلي. وتشير النتائج إلى أن الدماغ يحتفظ بما يشبه "أثرًا عصبيًا" للتجربة المجهدة لفترة من الزمن.
وأوضح الباحثون أن الدوبامين لا يقتصر دوره على الشعور بالمكافأة أو السعادة كما يعتقد كثيرون، بل يشارك أيضًا في معالجة التجارب العاطفية والضغوط النفسية. وعندما يتعرض الإنسان لموقف مرهق، تنشط أنظمة عصبية معقدة تساعد الجسم على الاستجابة السريعة، لكن بعض هذه التغيرات تستمر حتى بعد انتهاء الحدث نفسه.
وأظهرت دراسات سابقة أن التعرض المزمن أو المتكرر للضغوط النفسية يمكن أن يؤثر في طريقة إنتاج الدوبامين واستجابة الدماغ له، ما قد يزيد احتمالات الإصابة باضطرابات القلق والاكتئاب أو السلوكيات الإدمانية. كما تبين أن الأشخاص الذين تعرضوا لفترات طويلة من الضغوط النفسية قد يظهر لديهم خلل في استجابة أنظمة الدوبامين مقارنة بغيرهم.
ويرى العلماء أن استمرار نشاط الدوبامين بعد انتهاء التوتر قد يكون مفيدًا من الناحية التطورية، لأنه يساعد الدماغ على تذكر التجارب المهمة والاستعداد لمواجهة مواقف مشابهة مستقبلًا. لكن المشكلة تظهر عندما تستمر هذه الاستجابة لفترات طويلة أو تتكرر بصورة مفرطة، ما قد يؤدي إلى الإرهاق النفسي واضطرابات المزاج.
كما تشير أبحاث حديثة إلى أن التوتر لا يؤثر فقط على المشاعر، بل يعيد تشكيل شبكات التحكم والانتباه داخل الدماغ، ويؤثر على آليات اتخاذ القرار والتكيف مع الضغوط. وقد رصد الباحثون تغيرات في أنماط التواصل بين مناطق الدماغ المختلفة أثناء وبعد التعرض للمواقف المجهدة، وهو ما قد يفسر اختلاف قدرة الأشخاص على التعامل مع الضغوط النفسية.
وأكد الباحثون أن فهم العلاقة بين التوتر والدوبامين قد يساعد مستقبلًا في تطوير علاجات أكثر دقة لاضطرابات القلق والاكتئاب والإدمان، عبر استهداف المسارات العصبية المسؤولة عن استمرار التأثيرات النفسية للتوتر حتى بعد انتهاء أسبابه. كما قد يسهم هذا الفهم في ابتكار استراتيجيات جديدة لتعزيز المرونة النفسية وتقليل الآثار طويلة المدى للضغوط اليومية.

