النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

خبير استراتيجي لـ”النهار”: مأزق ترامب ونتنياهو يفتح الباب أمام ”حرب غير مقصودة” في الإقليم

ترامب ونتنياهو
عبدالرحمن كمال -

قال الخبير الاستراتيجي الدكتور محمد خليل مصلح إن المشهد الإقليمي الراهن يكشف عن أزمة متشابكة يعيشها كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في ظل تعثر مسارات الحسم العسكري والتفاوضي مع إيران، وتصاعد احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع بفعل ما وصفه بـ"العجز المتبادل" بين مختلف الأطراف.

وأوضح مصلح، في تصريحات لـ"النهار"، أن الساعات التي قضاها ترامب داخل غرفة العمليات دون الإعلان عن قرار حاسم بشأن الملف الإيراني تعكس، بحسب توصيفه، حالة "فائض القوة المعطل"، حيث تمتلك واشنطن أدوات ضغط عسكرية واقتصادية واسعة لكنها تواجه في المقابل معضلة الكلفة السياسية والاستراتيجية لكل خيار مطروح.

وأضاف أن الضربة العسكرية ضد إيران تحمل أثماناً سياسية وأمنية يصعب على ترامب تحملها في هذه المرحلة من ولايته، بينما يمثل التوصل إلى اتفاق مع طهران، من وجهة نظر خصومه وحلفائه الإسرائيليين، تراجعاً عن خطاب القوة الذي روّجت له الإدارة الأمريكية خلال الأشهر الماضية.

وأشار مصلح إلى أن خيار تجميد الأزمة دون اتفاق أو مواجهة لا يقل تعقيداً، لأنه يضع واشنطن في مواجهة استنزاف سياسي وأمني طويل الأمد، في وقت تعتقد فيه طهران أن عامل الزمن لا يعمل ضدها بالضرورة.

وفي قراءته للموقف الإيراني، اعتبر مصلح أن التصريحات الإيرانية التي تشكك في وجود "إطار مهني أو أخلاقي ثابت" لدى الفريق الأمريكي لا تمثل مجرد سجال دبلوماسي، بل تعكس، بحسب تعبيره، تفاوضاً على طبيعة الطرف المقابل نفسه، وليس فقط على تفاصيل البرنامج النووي أو الملفات الفنية المرتبطة به.

وأضاف أن إيران، وفق هذا المنظور، تحاول إظهار أن امتلاك واشنطن لعناصر القوة لا يكفي لتحقيق أهدافها إذا كانت قراراتها عرضة للتقلب أو خاضعة لحسابات داخلية وضغوط متباينة، معتبراً أن طهران تراهن على ما سماه "ثبات التكتيك" مقابل "تقلب القرار الأمريكي".

وفي ما يتعلق بالتسريبات الأمريكية حول دور "المتشددين" داخل إيران في إبطاء المفاوضات، رأى مصلح أن هذه الرواية قد تحمل أبعاداً تكتيكية أكثر من كونها تعبيراً عن انقسام حقيقي داخل النظام الإيراني.

وأوضح أن ثمة احتمالاً بأن يُستخدم الحديث عن خلافات داخلية كأداة تفاوضية لرفع سقف المطالب أو منح مساحة أوسع للمساومة السياسية، بينما يبقى القرار النهائي، بحسب تقديره، محكوماً بمركزية المؤسسة الحاكمة الإيرانية وبحسابات استراتيجية تتجاوز الانقسامات الظاهرة.

وفي الملف اللبناني، اعتبر مصلح أن إصرار إسرائيل على رفض الانسحاب الكامل وربط أي تسوية بنزع سلاح حزب الله يعكس ما وصفه بـ"مزدوجية العجز" داخل القيادة الإسرائيلية.

وقال إن نتنياهو يواجه معادلة صعبة، فهو غير قادر، وفق تقديره، على تحقيق حسم عسكري كامل ضد حزب الله، وفي الوقت نفسه يخشى أن يؤدي أي انسحاب أو تسوية لا تحقق أهدافاً معلنة إلى أزمة سياسية داخلية قد تهدد بقاء حكومته.

وأضاف أن طرح مسألة نزع السلاح في البيئة اللبنانية يبدو، من الناحية العملية، مطلباً شديد التعقيد، لكنه يؤدي وظيفة سياسية داخلية بالنسبة للحكومة الإسرائيلية، عبر تبرير استمرار العمليات العسكرية أو تأخير الانسحاب.

وتوقف مصلح عند تصريحات ترامب المتعلقة بوجود ألغام بحرية في مضيق هرمز، مقابل تقارير عسكرية أمريكية تحدثت عن عدم العثور على ألغام، معتبراً أن هذا التباين يكشف اختلافاً بين الخطاب السياسي والحسابات العسكرية داخل الولايات المتحدة.

وأوضح أن ترامب يستخدم، وفق قراءته، خطاب استعراض القوة والحرب النفسية لتعزيز موقعه التفاوضي، بينما تتعامل المؤسسة العسكرية الأمريكية بحذر أكبر مع أي خطوات قد تقود إلى مواجهة مباشرة واسعة في الخليج.

وفي ما يتعلق بقطاع غزة، رأى مصلح أن الحديث المتزايد عن ترتيبات سياسية وإدارية جديدة، بما في ذلك المبادرات المرتبطة بإدارة ما بعد الحرب، يعكس انتقالاً في أولويات المحور الأمريكي الإسرائيلي من محاولة الحسم في الملف الإيراني إلى التركيز على إعادة هندسة الواقع الفلسطيني.

وأشار إلى أن هذه الطروحات لا تستهدف بالضرورة إنهاء الصراع بصورة نهائية، بقدر ما تسعى، بحسب تحليله، إلى نقل القضية الفلسطينية من إطار الصراع السياسي والسيادي إلى إطار الإدارة والاحتواء الأمني.

وخلص الخبير الاستراتيجي إلى أن المشهد الإقليمي يتحرك وسط حالة من "العجز المتبادل"، حيث تعاني واشنطن من صعوبة اتخاذ قرار حاسم، بينما يواجه نتنياهو مأزقاً بين الحرب والتسوية، في حين تركز إيران على منع الهزيمة أكثر من البحث عن انتصار شامل.

واعتبر مصلح أن هذا التوازن الهش يجعل خطر "الحرب غير المقصودة" أكثر حضوراً، ليس بالضرورة نتيجة قرار مباشر بالحرب، وإنما بفعل أخطاء الحسابات وتداخل الضغوط والاستنزاف المتبادل بين مختلف الأطراف.