لماذا ذهب المنتخب الإيراني إلى كأس العالم في الولايات المتحدة رغم الحرب؟

توجه المنتخب الإيرانى لكرة القدم إلى أمريكا وسط وداع جماهيري لافت، حيث حظيت مراسم توديع المنتخب قبل مشاركته في كأس العالم باهتمام واسع من وسائل إعلام دولية، وذكرت وكالة رويترز أن آلاف المشجعين تجمعوا في ساحة الثورة بطهران لتوديع المنتخب، رغم المخاوف المتعلقة بدخول الفريق إلى الولايات المتحدة، كما أشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن رئيس اتحاد الكرة الإيراني مهدي تاج أكد أن المنتخب سيمثل الشعب الإيراني في المونديال.
وعلّقت الدكتورة نهال حمدي، الخبيرة في الشئون الإيرانية، على سفر المنتخب رغم التوتر الحاد بين طهران وواشنطن، مؤكدة أنه يحمل دلالات سياسية ورياضية ورمزية في وقت واحد، فمن جهة، يعكس استمرار مشاركة إيران رغم الدعوات بمنع المنتخب والتحذيرات من السفر من محللين سياسيين إيرانيين، إلا أن كرة القدم ما زالت تُستخدم كمساحة أمان استثنائية حتى وسط الصراعات الكبرى.
وقالت «نهال» بحسب تحليل لها، إنه رغم الخلافات السياسية والعسكرية العميقة بين البلدين، إلا أن وجود المنتخب الإيراني في البطولة يعني أن هناك باب محدود للتواصل الدولي ما زال مفتوح عبر الرياضة، كما أن الفيفا تتمسك بفكرة أن كرة القدم توحد العالم، لذلك تم رفض حتى الآن أي دعوات لاستبعاد إيران من المونديال .
ومن جهة أخرى، بحسب الدكتورة نهال حميد، تحمل المشاركة الإيرانية رسالة داخلية تؤكد أن البلاد لم تُعزل دوليًا رغم العقوبات والتوترات الأخيرة، فالإعلام الإيراني يقدم التأهل والمشاركة باعتبارهما رمزًا للصمود الوطني والقدرة على الحضور في حدث عالمي تستضيفه دولة تعتبرها طهران خصمًا استراتيجيًا، ولهذا شهدت العاصمة الإيرانية فعاليات جماهيرية واسعة لتوديع المنتخب قبل البطولة.
وحول البُعد الأهم، أكدت الخبيرة في الشئون الإيرانية، أن السفر يرتبط بذاكرة مباراة إيران والولايات المتحدة في كأس العالم 1998، والتي تُعتبر واحدة من أكثر مباريات المونديال تسييسًا، لأنها لم تكن مجرد مواجهة كروية، لكن صدام رمزي بين دولتين تعيشان حالة عداء منذ الثورة الإيرانية عام 1979 وأزمة السفارة الأمريكية في طهران.
وذكرت أن إيران في تلك المباراة لم تحقق فوز رياضي بهدفين مقابل هدف فقط، لكن حققت أيضًا مكسب دبلوماسي ورمزي، فبحسب بروتوكول الفيفا، كان من المفترض أن يتجه المنتخب الإيراني لمصافحة المنتخب الأمريكي، لكن القيادة الإيرانية رفضت ذلك سياسيًا، قبل أن يتم الاتفاق على أن يتقدم المنتخب الأمريكي نحو الإيرانيين، ثم شهد اللقاء لقطة تاريخية عندما قدم اللاعبون الإيرانيون ورود بيضاء للأمريكيين والتقط الفريقان صورة جماعية، في مشهد اعتُبر رسالة سلام، وأن إيران لا تريد الحرب أبدًا.
وأكدت أنه كان الانتصار تاريخي بالنسبة لإيران، لأنه اعتبر أول فوز لها في تاريخ مشاركاتها بكأس العالم، وجاء أمام الولايات المتحدة تحديدًا، الخصم السياسي الأكبر لطهران، وبعد المباراة خرجت احتفالات ضخمة في الشوارع الإيرانية، وتحول الفوز إلى حدث وطني وسياسي بقدر ما كان رياضي، وفي المقابل، شكلت الهزيمة صدمة للمنتخب الأمريكي.
ونوهت إلى أن المباراة نفسها كانت هادئة مقارنة بحجم التوتر المتوقع، واعتبرها كثير من المحللين نموذجًا للدبلوماسية الرياضية، أي استخدام الرياضة لتخفيف الاحتقان السياسي ولو بشكل مؤقت، حتى إن الفيفا منح المنتخبين جائزة اللعب النظيف بسبب الأجواء التي سبقت اللقاء ورافقته، ولا تزال تلك المباراة حاضرة بقوة كلما تواجهت البلدان رياضيًا، خاصة مع اقتراب كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة، إذ يرى كثيرون أن مواجهة 1998 تحولت إلى رمز يجمع بين السياسة والهوية الوطنية والمشاعر الشعبية في مباراة واحدة.
وأكدت الخبيرة في الشئون الإيرانية، أن مشاركة إيران تعني أيضًا أن واشنطن، رغم العداء القائم، مضطرة عمليًا للفصل بين الخلافات السياسية والتزاماتها الدولية كدولة مستضيفة للمونديال، فالولايات المتحدة لا تستطيع منع منتخب متأهل رسميًا من الدخول دون التسبب في أزمة مع الفيفا والدول المشاركة، لذلك أُرجح أن هناك مشاركة اللاعبين هتتم وسط استمرار التدقيق الأمني والسياسي على بعض المسؤولين والمرافقين.
واختتمت تحليلها بأن وجود المنتخب الإيراني في كأس العالم بأمريكا لا يعني تحسن العلاقات بين البلدين، لكنه يكشف أن الرياضة قد تتحول أحيانًا إلى قناة اضطرارية للتعايش المؤقت حتى بين أكثر الخصوم توترًا، وربما تصبح مباريات إيران في البطولة حدثًا سياسيًا وإعلاميًا عالميًا بقدر ما هي حدث رياضي.

