النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

الإيكونومست: غزو كوبا سيكون خطأً فادحًا.. وترامب قد يعقد صفقة مع النظام الشيوعي

إدارة ترامب صعّدت ضغوطها على النظام الكوبي خلال الأشهر الأخيرة
عبدالرحمن كمال -

قالت صحيفة الإيكونومست البريطانية إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صعّدت ضغوطها على النظام الكوبي خلال الأشهر الأخيرة، في محاولة لدفعه نحو تغييرات سياسية واقتصادية عميقة، لكنها حذرت في الوقت ذاته من أن أي خيار عسكري ضد الجزيرة قد يتحول إلى خطأ استراتيجي مكلف يفاقم الأزمة بدل حلها.

وأضافت الصحيفة في تقرير لها أن التصعيد الأمريكي تجاه كوبا جاء بعد التحولات التي أعقبت الإطاحة بالنظام الفنزويلي السابق، حيث لوّح ترامب مبكرًا بأن كوبا قد تكون "المحطة التالية"، بينما شرعت واشنطن في استخدام أدوات ضغط اقتصادية وسياسية متزايدة لإجبار هافانا على تقديم تنازلات قبل الوصول إلى نقطة مواجهة أكثر خطورة.

حصار وضغط

وقالت الإيكونومست إن السياسة الأمريكية الحالية ترتكز بصورة أساسية على خنق أحد أهم شرايين الاقتصاد الكوبي، عبر الضغط على القيادة الجديدة في فنزويلا لوقف تدفق النفط منخفض الكلفة الذي اعتمدت عليه هافانا لسنوات طويلة.

وأضافت الصحيفة أن هذه الضغوط تأتي بينما تواجه كوبا أزمة اقتصادية خانقة تتجسد في الانقطاعات المتكررة للكهرباء ونقص الغذاء والدواء وتراجع القدرة الشرائية، وهي ظروف زادت من هشاشة الوضع الداخلي وأضعفت قدرة الدولة على إدارة أزماتها الاجتماعية.

وبحسب التقرير، ترى إدارة ترامب أن النظام الكوبي أصبح أكثر قابلية للتفاوض تحت ضغط الأزمة، وأن استمرار الضائقة الاقتصادية قد يدفعه نحو تقديم تنازلات لم يكن مستعدًا لقبولها في مراحل سابقة.

نظام مأزوم

وأضافت الصحيفة أن ترامب يبرر رغبته في تغيير الواقع الكوبي باعتبار أن النظام الشيوعي، الذي يحكم الجزيرة منذ نحو سبعة عقود، رسخ بنية سياسية مغلقة تقوم على القمع وإقصاء المعارضين وإحكام السيطرة على الاقتصاد.

وقالت الإيكونومست إن المواطنين الكوبيين يواجهون صعوبات متزايدة في تأمين الاحتياجات الأساسية، بينما تتركز الثروة والنفوذ داخل شبكات مرتبطة بالدولة والأجهزة الحاكمة، الأمر الذي عمق الفجوة الاجتماعية وأضعف الثقة الشعبية في المؤسسات.

وفي المقابل، أشارت الصحيفة إلى أن واشنطن تنظر أيضًا إلى كوبا من زاوية أمنية، معتبرة أن سماح الجزيرة لروسيا والصين بتشغيل منشآت تنصت قرب السواحل الأمريكية يمثل مصدر قلق استراتيجي لا يمكن تجاهله.

تفاوض متردد

وقالت الإيكونومست إن الضغوط الاقتصادية لم تؤدِ فقط إلى تعميق الأزمة الإنسانية، بل دفعت النظام الكوبي إلى إظهار قدر من المرونة السياسية المحدودة في محاولة لاحتواء التصعيد الأمريكي.

وأضافت الصحيفة أن السلطات الكوبية أفرجت عن عدد محدود من السجناء السياسيين، وأعلنت سلسلة إصلاحات اقتصادية تدريجية، كان أبرزها قرار السماح للكوبيين المقيمين في الخارج بامتلاك شركات بصورة كاملة داخل البلاد.

لكن التقرير أشار إلى أن هذه الخطوات لا تبدو كافية بالنسبة لترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو، المنحدر من أصول كوبية، إذ لا تتحدث الإدارة الأمريكية عن إصلاحات جزئية فحسب، بل عن تغيير أعمق في طبيعة النظام نفسه.

تلويح بالقوة

وأضافت الصحيفة أن الحديث عن الخيارات الأمريكية لا يقتصر على العقوبات أو الضغوط الدبلوماسية، بل يشمل أيضًا رسائل عسكرية متزايدة حملت إشارات واضحة إلى إمكانية التصعيد.

وقالت الإيكونومست إن طائرات استطلاع مسيّرة شوهدت تحلق فوق كوبا، بينما وصلت حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس نيميتز" إلى منطقة الكاريبي في مايو، بالتزامن مع توجيه وزارة العدل الأمريكية اتهامات إلى راؤول كاسترو، الذي ما يزال يُنظر إليه باعتباره الحاكم الفعلي للنظام.

وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة عن ماركو روبيو قوله إن فرص الوصول إلى تسوية سلمية "ليست مرتفعة"، وإن النظام الكوبي غير قابل للإصلاح بصيغته الحالية، بينما أكد أن ترامب سيفعل "كل ما يلزم" إذا اقتضت الظروف ذلك.

فخ التدخل

لكن الإيكونومست حذرت من أن الانتقال من التهديد إلى التنفيذ العسكري قد يحمل عواقب أكثر تعقيدًا مما تتوقعه واشنطن، رغم أن استعراض القوة قد يوفر للإدارة الأمريكية أوراق ضغط إضافية على طاولة التفاوض.

وأضافت الصحيفة أن نجاح عملية خاطفة لإسقاط القيادة السياسية لا يجيب عن السؤال الأكثر صعوبة: ماذا بعد سقوط النظام؟ فكوبيـا، وفق التقرير، تختلف جذريًا عن فنزويلا من حيث البنية الأيديولوجية وعمق مؤسسات الحكم وسيطرة الدولة على المجتمع.

ورأت الصحيفة أن استبدال بعض القيادات العليا قد يكون ممكنًا، لكن فرض استقرار سياسي جديد أو إدارة انتقال سلس للسلطة سيكون أكثر تعقيدًا، خصوصًا في مجتمع لم يختبر تعددية سياسية فعلية منذ عقود طويلة.

إرث فاشل

وقالت الإيكونومست إن خيار الغزو الشامل يبدو أقل جاذبية وأكثر خطورة، حتى لو امتلكت الولايات المتحدة القدرة العسكرية على تحييد الجيش الكوبي خلال فترة قصيرة.

وأضاف التقرير أن سجل واشنطن في إعادة بناء الدول داخل بيئات معادية أو منقسمة لا يمنح الكثير من الثقة بإمكانية نجاح تجربة مشابهة في كوبا، خاصة مع ضعف الخبرة السياسية التعددية وغياب المؤسسات القادرة على إدارة انتقال مستقر.

وأشارت الصحيفة إلى أن فرض الديمقراطية بالقوة قد يتحول إلى مشروع طويل ومكلف ومفتوح على الفوضى، خصوصًا أن قطاعات واسعة من المجتمع الكوبي لم تعش تجربة سياسية خارج النظام القائم.

انتقال تدريجي

وأوضحت الإيكونومست أن استمرار الحصار وحده لا يبدو حلاً مضمونًا أيضًا، إذ لا توجد معارضة منظمة قادرة على تحويل الضائقة الاقتصادية إلى انتفاضة سياسية واسعة، بينما غادر كثير من الشباب البلاد وبقيت الفئات الأكبر سنًا منهكة اقتصاديًا واجتماعيًا.

وأضافت الصحيفة أن الاحتجاجات التي شهدتها كوبا حتى الآن بقيت محدودة التأثير ولم تتجاوز في معظمها أشكالًا رمزية مثل قرع الأواني في الشوارع، ما يقلل من احتمالات انهيار النظام تحت الضغط الشعبي وحده.

ولهذا، ترى الصحيفة أن الخيار الأقل كلفة يتمثل في الدفع نحو انتقال تدريجي للسلطة، يقوم على مزيج من الضغوط والتفاهمات والإصلاحات المرحلية بدل الرهان على الحسم العسكري.

صفقة محتملة

وقالت الإيكونومست إن ملامح الاتفاق المحتمل بين واشنطن وهافانا بدأت تتضح بصورة أولية، في إطار مقاربة تقوم على تبادل التنازلات بدل المواجهة المفتوحة.

وأضافت الصحيفة أن الولايات المتحدة قد تسمح بزيادة تدفقات النفط إلى الجزيرة، وتقدم مساعدات إنسانية عبر الكنيسة الكاثوليكية ومنظمات غير حكومية بعيدًا عن سيطرة المؤسسة العسكرية، إلى جانب توفير خدمات إنترنت فضائي مجاني يمكن أن يفتح المجال أمام مساحات سياسية وإعلامية أوسع.

وفي المقابل، يُطلب من النظام الكوبي الإفراج عن مزيد من المعتقلين السياسيين، وتخفيف القبضة الأمنية، وفتح المجال أمام الاستثمار الخاص والانخراط الاقتصادي بصورة أوسع.

إصلاح مؤجل

وأضافت الإيكونومست أن نجاح أي صفقة لا يعني انتهاء المشكلات البنيوية التي تعانيها كوبا، إذ تبقى الجزيرة واحدة من أكثر الاقتصادات هشاشة في المنطقة، مع غياب احتياطيات نفطية كبيرة وضعف سيادة القانون ومحدودية البيئة الجاذبة للاستثمار.

وقالت الصحيفة إن كثيرًا من الكوبيين الأمريكيين يرغبون في الاستثمار داخل بلادهم الأصلية، لكنهم يربطون ذلك بزوال النظام الشيوعي أو على الأقل بتغيرات سياسية أعمق تضمن حماية الملكية ووضوح القواعد الاقتصادية.

ورغم هذه العقبات، ترى الصحيفة أن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي قد يفتح الباب أمام تحولات أوسع، خصوصًا في قطاعات مثل السياحة والزراعة، وإن كان الانفتاح السياسي الكامل سيظل، على الأرجح، مسارًا أطول وأكثر تعقيدًا.

درس إيران

وخلصت الإيكونومست إلى أن إدارة ترامب تقف أمام مفترق حساس بين توظيف الضغط لإنتاج انتقال تفاوضي يخدم الكوبيين، أو الانزلاق نحو مغامرة عسكرية قد تكرر أخطاء أمريكية سابقة في إدارة الأزمات الدولية.

وأضافت الصحيفة أن نجاح واشنطن يتوقف على قدرتها على التفاوض بحزم وذكاء دون تحويل الأزمة إلى حرب جديدة في الكاريبي، معتبرة أن اللجوء إلى القوة قد يجعل الأوضاع أكثر سوءًا ويغلق فرص التغيير التدريجي.

وفي خاتمة تقريرها، رأت الإيكونومست أن الأمل يبقى في أن تكون إدارة ترامب قد استخلصت من تجاربها الإقليمية الأخيرة، وخاصة أزمة إيران، درسًا مفاده أن إسقاط الأنظمة أسهل كثيرًا من بناء بدائل مستقرة بعدها.