أزمة الحريديم تهز إسرائيل: التجنيد يضع نتنياهو أمام أخطر اختبار داخلي

تشهد إسرائيل تصاعداً لافتاً في أزمة التجنيد الإجباري للحريديم، في تطور يكشف عمق التصدعات داخل المجتمع الإسرائيلي ويضع حكومة بنيامين نتنياهو أمام واحدة من أكثر الأزمات الداخلية حساسية منذ سنوات، وسط مخاوف متزايدة من انعكاسات الصدام المتنامي بين المؤسسة العسكرية والتيارات الدينية على تماسك الدولة وبنيتها السياسية.
وجاءت المواجهات التي شهدتها القدس خلال الأيام الماضية بين الشرطة الإسرائيلية ومحتجين من الحريديم، عقب اعتقال شاب متهم بالتهرب من الخدمة العسكرية، لتعيد إلى الواجهة ملفاً ظل لعقود خاضعاً لتسويات سياسية مؤقتة. غير أن الحرب المستمرة وما رافقها من استنزاف عسكري واتساع الاعتماد على قوات الاحتياط، دفعت الأزمة إلى مستوى أكثر تعقيداً، بعدما تحولت من خلاف قانوني وإداري إلى نقاش يمس طبيعة الدولة الإسرائيلية وحدود العلاقة بين الدين والمؤسسة العسكرية.
ويرى الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور أسعد العويوي أن التطورات الأخيرة لا يمكن قراءتها باعتبارها احتجاجات معزولة أو حادثاً أمنياً محدوداً، بل باعتبارها انعكاساً لصراع أعمق بين نموذجين متناقضين داخل إسرائيل؛ أحدهما يقوم على مفهوم الدولة الأمنية والخدمة العسكرية الإلزامية باعتبارها جزءاً من المواطنة وتقاسم الأعباء، والآخر يستند إلى رؤية دينية ترى في فرض التجنيد على الحريديم تهديداً مباشراً لهويتهم الثقافية والدينية ونمط حياتهم الخاص.
وبحسب العويوي، فإن الحرب الأخيرة أعادت فتح أكثر الملفات حساسية داخل المجتمع الإسرائيلي، بعدما تصاعدت الأسئلة حول إمكانية استمرار نموذج "الجيش الشعبي" في ظل بقاء عشرات الآلاف من الحريديم خارج الخدمة العسكرية بصورة شبه كاملة، بينما تتحمل قطاعات أخرى العبء القتالي والاقتصادي المباشر للحرب.
ويشير إلى أن الشعور المتزايد داخل أوساط واسعة من الإسرائيليين بعدم تكافؤ توزيع الأعباء العسكرية والاقتصادية، خاصة بين الطبقة الوسطى والعائلات المنخرطة في الخدمة القتالية والاحتياط، ساهم في تحويل القضية إلى أزمة تمس تعريف المواطنة وحدود سلطة الدولة، في مقابل تمسك الحريديم برفض أي مساس بالاستثناءات التي يعتبرونها جزءاً من حماية هويتهم الدينية.
وفي قلب هذه الأزمة، يجد نتنياهو نفسه أمام هامش مناورة أكثر ضيقاً من أي مرحلة سابقة، وفق تقدير العويوي، إذ يعتمد ائتلافه الحكومي بصورة أساسية على الأحزاب الحريدية والدينية القومية التي توفر له الأغلبية البرلمانية، بينما يواجه في الوقت ذاته ضغوطاً متزايدة من المؤسسة العسكرية والرأي العام المطالب بإنهاء الإعفاءات الواسعة.
ويؤكد الباحث الفلسطيني أن أي تنازل إضافي للحريديم قد يُفهم داخل الجيش والشارع الإسرائيلي باعتباره تكريساً لعدم المساواة في تحمل أعباء الحرب، في حين أن أي محاولة لفرض التجنيد بصورة قسرية تحمل مخاطر مباشرة على استقرار الائتلاف الحكومي وقد تفتح الباب أمام أزمة سياسية أوسع.
وفي هذا السياق، تبدو الأزمة الحالية، وفق قراءة العويوي، أكثر من مجرد خلاف تشريعي أو نزاع حزبي، إذ تكشف عن وجود مشاريع متنافسة داخل المجتمع الإسرائيلي تتجاوز الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار.
ويشير إلى أن إسرائيل تشهد اليوم تداخلاً بين تيار علماني قومي يربط بقاء الدولة بالجيش والمؤسسات الحديثة وتقاسم الأعباء، وتيار حريدي يمنح الأولوية للهوية الدينية على متطلبات الدولة العسكرية، إلى جانب يمين ديني قومي يدفع نحو مزيد من التشدد والتوسع والصدام الإقليمي، ومعسكر ليبرالي يتهم الحكومة بإضعاف القضاء والمؤسسات لصالح اعتبارات سياسية وأيديولوجية.
ويرى العويوي أن هذه التناقضات لم تنشأ بفعل الحرب، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وحدة تحت ضغط التعبئة العسكرية الطويلة والاستقطاب السياسي المتصاعد، ما يجعل أزمة التجنيد مؤشراً على أزمة هوية مركبة تمس إمكانية استمرار "الإجماع الإسرائيلي" بصيغته التقليدية.
كما يلفت إلى أن القلق لا يقتصر على الساحة السياسية، بل يمتد إلى الدوائر الأمنية والعسكرية التي تنظر إلى الجيش الإسرائيلي باعتباره أكثر من مجرد مؤسسة دفاعية، بل إحدى الركائز الأساسية لصناعة الهوية الوطنية ودمج المجتمع.
ومن هذا المنطلق، يزداد التخوف داخل المؤسسة الأمنية من أن يؤدي استمرار الإعفاءات الواسعة، بالتزامن مع ارتفاع الكلفة البشرية والاقتصادية للحرب، إلى تآكل تدريجي في العقد الاجتماعي الذي قام عليه مفهوم "الخدمة المشتركة"، بما يهدد مستقبلاً الثقة بين الدولة وشرائح واسعة من المجتمع الإسرائيلي.
ويعتبر العويوي أن الحديث عن انهيار سياسي وشيك أو نهاية حتمية لمسيرة نتنياهو ما يزال مبكراً، بالنظر إلى قدرة الرجل المتكررة على إعادة تشكيل التحالفات وتجاوز الأزمات، إلا أن المؤشرات الحالية تدل على دخول إسرائيل مرحلة أكثر هشاشة وتعقيداً من تلك التي عرفتها خلال العقدين الماضيين.
ويخلص الباحث إلى أن الحرب لم تخلق الانقسامات الداخلية داخل إسرائيل بقدر ما كشفتها وعمّقتها بصورة غير مسبوقة، وأن أزمة التجنيد ليست سوى أحد تجليات تحولات أوسع تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدين والدولة، وبين المجتمع والمؤسسة العسكرية، وبين الهوية اليهودية والطابع المدني للدولة الحديثة، الأمر الذي يجعل السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بمستقبل نتنياهو السياسي، بل بقدرة إسرائيل نفسها على الحفاظ على تماسكها الداخلي في مواجهة تناقضات آخذة في التصاعد.

