النهار
جريدة النهار المصرية

فن

عازفة الناي ”سينام أوغلو” بين الأهرامات وخان الخليلي.. رحلة موسيقية في ذاكرة عازفة تركية

سينام أوغلو ومحررة النهار
علا إبراهيم -

بين نَفَسٍ صوفيٍّ قادم من عمق التاريخ التركي، ونغماتٍ شرقية تعشق تفاصيل الحارة المصرية، تأخذنا عازفة الناي التركية والباحثة الموسيقية المتميزة "سينام هوندار أوغلو" في رحلة إبداعية فريدة، لم تكتفِ بعزف الموسيقى، بل تغلغلت في روحها حتى باتت تعلم اللهجة المصرية خطوة طبيعية لتقترب أكثر من روائع أم كلثوم وعبد الوهاب، في هذا الحوار وبعد زيارتها لمصر واحياء حفل بالمتحف المصري الكبير، نُبحر معها في عالمها الذي تلتقي فيه أوركسترات العالم الكبرى بشجن الناي، ونستمع إلى أصداء زيارتها التاريخية للقاهرة، حيث تجسد الأهرامات وخان الخليلي في مخيلتها ألحاناً من صمتٍ عميق ونَفَسٍ عتيق يعيش فيه الماضي داخل الحاضر.

بصفتكِ عازفة ناي في فرقة إسطنبول الحكومية للموسيقى الشعبية الحديثة، كيف ترين قدرة هذه الآلة التقليدية على لمس أرواح البشر وعبور الحدود الثقافية؟

إن الناي ليس مجرد آلة موسيقية، بل هو تحول نَفَس الإنسان إلى صوت. ولذلك، فهو يتجاوز اللغة، والأمة، والجغرافيا، ليلامس كل روح، ومع ذلك، فإن قوته متجذرة في المفهوم الصوفي لـ "الإنسان الكامل". ويمثل الفراغ الموجود داخل الناي رحلة البحث الداخلي للإنسان، فكل نوتة (ثقب) تُفتح، هي بمثابة إزاحة للُّحُجب التي بداخلنا، وتقود هذه الرحلة العميقة إلى حقيقة عالمية تربطنا جميعاً ببعضنا البعض. ففي صوت الناي يكمن السعي البشري لتهذيب الذات، والتواضع الخالص، والحب العميق. بناءً على ذلك، لا توجد ثقافة، أو لغة، أو أمة، أو جغرافيا خلف الناي، بل يوجد الإنسان فحسب.

قمتِ مسبقاً بزيارة القاهرة وقدمتِ حفلاً موسيقياً رائعاً، كيف تصفين تجربتكِ في مصر، وكيف كان تفاعل الجمهور المصري مع موسيقاكِ؟

أشعر دائماً باختلاف كبير عندما أكون على المسرح، لأن هناك قصة تُروى من خلال الأغنيات، وهناك أشخاص تشاركهم هذه القصة، وبينما تنقل هذا الإحساس إلى الجمهور، تولد طاقة مختلفة تماماً على خشبة المسرح. والجمهور المصري ليس مجرد جمهور يستمع إلى الموسيقى، بل هو ينتمي إلى ثقافة تعيش هذه الموسيقى، لقد تابعتُ عن كثب هذه الثقافة الموسيقية الراقية منذ زمن أم كلثوم، وأعرف كيف يفرض هذا الجمهور حضوره. لقد أحييتُ حفلتين موسيقيتين في القاهرة خلال ثلاثة أيام، وعند إعداد برنامج الحفل، أوليتُ أهمية كبيرة لتكوين رابط حقيقي مع الجمهور، لأنهم لا يكتفون بالاستماع إلى الموسيقى فحسب، بل يركزون على طريقة تفسيرك وعزفك لها، ويُكرمونك بناءً على ذلك، فهم يدركون عمق الفنان. لذلك، عند اختيار المقطوعات الأكثر رقة وعراقة من ثقافتي، كنتُ على دراية بمدى الانتباه الذي سيُبديه الجمهور المصري لمتابعة عمق موسيقاي وتفسيرها وعاطفتها،بالنسبة لي، لم تكن هذه الحفلات مجرد عروض على المسرح، بل كانت اتحاداً خاصاً بحق بين ثقافتين موسيقيتين عريقتين.

هناك قواسم مشتركة عميقة ولا يمكن إنكارها بين الموسيقى الشرقية المصرية والموسيقى التقليدية التركية. كيف يمكننا الاستفادة من هذا التراث المشترك لبناء جسور ثقافية أقوى بين شباب كلا البلدين؟

تتمتع الموسيقى الشرقية المصرية والموسيقى التقليدية التركية بتاريخ عريق يمتد لعدة قرون، وعلى الرغم من أنهما ينبعان من تقاليد مختلفة، إلا أن هناك بنيات متشابهة داخل نظام المقامات الموسيقية لدينا يوفر هذا الهيكل الموسيقي المشترك أساساً قوياً لبدء حوار ثقافي بين الشباب، ولتعزيز هذا الأساس بشكل أكبر، يمكننا التركيز على التعليم الموسيقي، فمن خلال ورش العمل المشتركة، والبرامج التعليمية، ومشاريع التبادل الثقافي، يستطيع الشباب استكشاف التراث الموسيقي لبعضهم البعض وبناء جسور ثقافية دائمية.

هل هناك أي مشاريع فنية أو تعاونات مستقبلية قد تجمعكِ مع موسيقيين مصريين أو عرب في القريب العاجل؟

نحن نستعد حالياً لتعاون فني قادم يتضمن "كونشيرتو الناي"، وهو مشروع موسيقي مشترك مع الدكتور ناصر سهيم الجاسم، نائب المدير التنفيذي لأوركسترا قطر الفيلهارمونية والملحن القطري، ويعكس هذا المشروع اهتمامنا المستمر بتعزيز التعاون الفني والثقافي مع الموسيقيين العرب، وتشجيع الحوار الموسيقي في جميع أنحاء المنطقة.

ذكرتِ سابقاً أن جزءاً من أصول عائلتكِ يعود إلى مصر، كيف ساهم هذا الارتباط الشخصي والعائلي في تشكيل هويتكِ الفنية؟ وهل شعرتِ أن زيارة القاهرة كانت بمثابة "عودة إلى الوطن" بالنسبة لكِ؟

إن ارتباطي بمصر ليس تاريخياً فحسب، بل ينبع من مكان أعمق بكثير وأكثر حيوية في داخلي، لقد شعر قلبي دائماً بالقرب من تلك الأراضي العريقة، وهو شعور عميق وقوي تماماً مثل الروابط التي تجمع روحي بآلة الناي.

ذكرتي أنكِ تتعلمين اللغة العربية مع تركيز خاص على اللهجة المصرية،ما الذي جذبكِ إلى هذه اللهجة بالذات؟ وهل هناك ألحان مصرية كلاسيكية (مثل أعمال أم كلثوم أو عبد الوهاب) تحبين عزفها على آلة الناي؟

إن ما جذبني إلى اللهجة المصرية هو رغبتي في فهم كلمات الأغاني وبناء رابط أعمق مع الموسيقى التي أستمع إليها، لذا كانت خطوة تعلم هذه اللهجة أمراً طبيعياً جداً بالنسبة لي، هناك بالفعل العديد من المقطوعات التي أعشقها في الريبرتوار (المحتوى الموسيقي) المصري الكلاسيكي، لا سيما أعمال أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، كما أنني أجد متعة كبيرة في عزف هذه المؤلفات خلال تدريباتي الخاصة.

بصفتكِ باحثة تركز على دمج آلة الناي التقليدية في التوزيعات الأوركسترالية الحديثة، كيف توازنين بين الحفاظ على الروح الروحانية والتقليدية للناي، وبين مزجها مع الأنواع الموسيقية المعاصرة والعالمية؟

إنني أنتمي إلى خلفية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بكلتا الثقافتين الموسيقيتين، وهذا التوازن موجود بالفعل داخلي بشكل طبيعي. حتى خلال سنوات دراستي في المعهد الموسيقي (الكونسرفتوار)، وبينما كنت أحلل أعمال موزارت، وبيتهوفن، وغيرهم من الملحنين، كنت أستطيع سماع صوت آليتي الخاصة يتردد داخل تلك المؤلفات.طوال مسيرتي الموسيقية الممتدة لستة وعشرين عاماً، حظيت بفرصة العمل مع أوركسترات كبرى، وهذا علمني أن أنظر إلى الموسيقى ليس فقط كبنية تقنية، بل كلوحة فنية تقريباً. لأن الثقافة أيضاً يجب أن تُفهم وتُترجم بشكل صحيح داخل الموسيقى، وأنا أُثمن كثيراً القدرة على استيعاب الموسيقى بأكملها، بألوانها، وفترات صمتها، وطبقاتها، يعتبر الناي في جغرافيتنا وثقافتنا واحداً من أكثر القيم تميزاً، والتي يجب الحفاظ على طبيعتها وذاكرتها الروحانية. لذلك، فإن العناصر التي تصنع هذا التوازن ليست منفصلة بالنسبة لي، بل هي تتعايش معاً بشكل طبيعي في داخلي.

لقد وصفتِ زيارتكِ للأهرامات، وخان الخليلي، ومقهى الفيشاوي بأنها تركت أثراً عميقاً في ذاكرتكِ، إذا كان عليكِ ترجمة هذه الطاقة والأجواء التاريخية المعتقة لمعالم القاهرة إلى مقطوعة موسيقية، فكيف سيكون صوتها؟

لقد شعرت في القاهرة وكأنني خطوت داخل قرن زمن رَحل تماماً، حيث يمكنكِ أن تشعري حقاً بأن الوقت يتدفق هناك بشكل مختلف، لقد كانت تجربة مؤثرة للغاية، وكنت أعلم مسبقاً أنني سأعيش مشاعر عميقة في تلك الأجواء. وتحديداً داخل النسيج التاريخي للقاهرة، كل ما تمنيته هو مجرد البقاء والاستغراق في تلك اللحظة.إذا كان لي أن أُحوّل تلك الأجواء إلى مقطوعة موسيقية، فستحتوي على صمت عميق جداً، ونَفَس عتيق، وألحان طويلة تتكشف وتنساب ببطء شديد عبر الزمن، لأن تلك المدينة لم تمنحني إحساساً بالتاريخ فحسب، بل أعطتني شعوراً بالذاكرة الحية، ففي كل شارع، وكل حجر، وكل صوت، شعرت بأن الماضي لا يزال حياً ينبض داخل الحاضر.