النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

بكين بين موسكو وواشنطن.. كيف يدير شي جين بينغ توازنات القوة العالمية؟

بوتين وشي
-

تحولت العاصمة الصينية خلال الأيام الماضية إلى مركز للحراك الدبلوماسي الدولي بعدما استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ كلاً من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في زيارتين متتاليتين عكستا مكانة الصين المتنامية كلاعب رئيسي في النظام الدولي.

وبينما حملت قمة ترامب ملفات اقتصادية وتجارية معقدة، جاءت زيارة بوتين الخامسة والعشرون إلى الصين لتؤكد متانة الشراكة الاستراتيجية بين بكين وموسكو واتساع مجالات التعاون بينهما.

وشكلت زيارة الرئيس الروسي محطة بارزة تزامنت مع الذكرى الثلاثين لإقامة الشراكة الاستراتيجية الصينية الروسية، إضافة إلى مرور 25 عاماً على توقيع معاهدة حسن الجوار والتعاون الودي بين البلدين، والتي اتفق الجانبان على تمديدها.

وخلال المباحثات أكد الزعيمان استمرار تنامي العلاقات الاقتصادية، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 240 مليار دولار للعام الثالث على التوالي، ما يرسخ موقع الصين باعتبارها الشريك التجاري الأول لروسيا منذ أكثر من عقد ونصف.

كما ركزت القمة على تعزيز التعاون المالي في مواجهة العقوبات الغربية، إذ باتت معظم المعاملات التجارية بين البلدين تُنفذ باستخدام الروبل واليوان بدلاً من الدولار، في خطوة تهدف إلى تقليل الاعتماد على النظام المالي الغربي وتوفير مظلة حماية للتبادل التجاري بين الجانبين.

وشهدت الزيارة توقيع نحو 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت قطاعات الطاقة والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والنقل والفضاء. وحافظ ملف الطاقة على مكانته كأحد أهم ركائز الشراكة الثنائية، مع استمرار روسيا في تصدير النفط والغاز والفحم إلى السوق الصينية وتوسيع التعاون في مشروعات الطاقة النووية المدنية.

ولم تقتصر المباحثات على الملفات الاقتصادية، بل امتدت إلى الجوانب التعليمية والثقافية، حيث أعلن الطرفان إطلاق أعوام التعاون التعليمي الصيني الروسي للفترة 2026-2027 بهدف توسيع برامج التبادل الأكاديمي والطلابي، بالتزامن مع قرار صيني بتمديد الإعفاء من التأشيرة للمواطنين الروس حتى نهاية عام 2027.

في المقابل، كشفت المقارنة بين زيارة بوتين وقمة ترامب عن اختلاف واضح في طبيعة العلاقات التي تربط الصين بكل من روسيا والولايات المتحدة. فالعلاقة مع موسكو تقوم على شراكة استراتيجية طويلة الأمد تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية إلى التنسيق السياسي والأمني والدفاع المشترك عن نظام دولي متعدد الأقطاب. أما العلاقة مع واشنطن فتظل محكومة بمنطق إدارة التنافس وتقليل الخلافات التجارية والتكنولوجية دون الوصول إلى مستوى التحالف.

وتسعى بكين من خلال هذا التوازن الدقيق إلى الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية الحيوية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تعميق تعاونها مع روسيا باعتبارها شريكاً استراتيجياً مهماً في مواجهة الضغوط الغربية. كما توجه الصين رسالة واضحة بأنها قادرة على التواصل مع القوى المتنافسة كافة دون الانحياز الكامل لأي طرف.

ورغم الأجواء الإيجابية التي أحاطت بالقمة الصينية الروسية، يرى مراقبون أن العلاقة بين البلدين لا تخلو من تعقيدات مرتبطة بتزايد اعتماد موسكو على السوق الصينية في ظل العقوبات الغربية، وهو ما يمنح بكين نفوذاً أكبر في بعض الملفات الاقتصادية الكبرى، خاصة مشروعات الطاقة الاستراتيجية التي لا تزال بعض تفاصيلها قيد التفاوض.

نجحت الصين في توظيف استقبال ترامب وبوتين خلال فترة زمنية قصيرة لإبراز نفسها كقوة دولية قادرة على إدارة العلاقات مع الخصوم والحلفاء في آن واحد. وبينما غادر ترامب حاملاً ملفات تفاوضية مفتوحة، خرج بوتين بحزمة واسعة من الاتفاقيات والتفاهمات، في مشهد يعكس قدرة بكين المتزايدة على التأثير في موازين القوى العالمية ورسم ملامح مرحلة جديدة من التنافس الدولي.