النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

الحرس الثوري ”يكرس” معادلة طهران في هرمز بـ35 سفينة.. وتحذير أمريكي من العواقب

مضيق هرمز
عبدالرحمن كمال -

دخلت إيران مرحلة جديدة من إدارة الصراع في الخليج، بعدما أعلنت بحرية الحرس الثوري الإيراني أن 35 سفينة، بينها ناقلات نفط وسفن حاويات وسفن تجارية، عبرت مضيق هرمز خلال 24 ساعة فقط "بإذن من طهران"، في إشارة غير مسبوقة إلى محاولة تحويل المضيق من ممر دولي مفتوح إلى منطقة تخضع عملياً لإشراف وسيطرة إيرانية مباشرة.

هذا الإعلان لا يُقرأ باعتباره تصريحاً عسكرياً عادياً، بل يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز حركة الملاحة نفسها، إذ تسعى إيران إلى تكريس معادلة جديدة مفادها أن المرور عبر أهم شريان للطاقة في العالم بات مرتبطاً بموافقتها السياسية والأمنية، في ظل التصعيد الإقليمي المتواصل والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية المفتوحة ضد طهران منذ أشهر.

وتحاول إيران، عبر هذه الرسائل، إظهار قدرتها على التحكم بإيقاع الاقتصاد العالمي من بوابة الطاقة، خصوصاً أن مضيق هرمز يمثل الممر البحري الأهم لنقل النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق الدولية، ما يمنح طهران ورقة ضغط هائلة في أي مواجهة سياسية أو عسكرية مقبلة مع أمريكا وحلفائها.

إنذار إماراتي

القلق الخليجي من هذه التحولات ظهر بوضوح في تصريحات أنور قرقاش، الذي حذر من أن أي سيطرة على مضيق هرمز ستشكل "سابقة خطيرة" يمكن لإيران تسييسها لاحقاً، مؤكداً أن تداعيات أي تغيير في وضع المضيق لن تقتصر على الخليج، بل ستمتد إلى أوروبا والأسواق الدولية بأكملها.

تصريحات قرقاش تعكس إدراكاً متزايداً داخل العواصم الخليجية بأن الأزمة تجاوزت مرحلة المناوشات العسكرية المحدودة، ودخلت طور إعادة رسم قواعد السيطرة البحرية في المنطقة، خاصة مع تصاعد الحديث عن فرض رسوم عبور أو إخضاع حركة السفن لترتيبات أمنية تفرضها طهران بالقوة.

كما حملت التصريحات الإماراتية تحذيراً ضمنياً من أن أي جولة قتال جديدة بين أمريكا وإيران قد تدفع المنطقة نحو فوضى بحرية واقتصادية واسعة، في وقت تبدو فيه أسواق الطاقة العالمية أكثر هشاشة أمام أي اضطراب طويل في الخليج، وسط مخاوف من ارتفاع جنوني للأسعار وتعطل سلاسل الإمداد الدولية.

واشنطن تتحرك

من جهته، رفع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو سقف التحذيرات، معتبراً أن فرض إيران رسوماً على عبور السفن في مضيق هرمز يمثل "سابقة خطيرة" لا ينبغي لأي دولة قبولها، في موقف يكشف حجم القلق الأمريكي من تحول النفوذ الإيراني المؤقت إلى واقع دائم في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

ورغم حديث روبيو عن إحراز "تقدم طفيف" في المفاوضات مع إيران، فإن تصريحاته أوضحت أن واشنطن ترى في التحركات الإيرانية محاولة لخلق أمر واقع جديد يربط أمن الملاحة الدولية بالمساومات السياسية والأمنية، وهو ما تعتبره الإدارة الأمريكية تهديداً مباشراً للنظام البحري العالمي الذي تقوده منذ عقود.

وفي الخلفية، تدرك أمريكا أن طهران لا تستخدم هرمز فقط كورقة عسكرية، بل كأداة لإعادة تعريف ميزان الردع في المنطقة، خاصة بعد فشل الضغوط العسكرية والعقوبات في دفعها للتراجع عن مشروعها الإقليمي والنووي، الأمر الذي يجعل ملف المضيق اليوم جزءاً أساسياً من أي مفاوضات أو تفاهمات مستقبلية.

بحر مشتعل

التوتر المتصاعد في الخليج وبحر العرب لم يعد محصوراً بالتصريحات السياسية، بل بدأ ينعكس ميدانياً على حركة الملاحة، بعدما أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية تلقي بلاغ عن واقعة بحرية على بعد 98 ميلاً بحرياً شمالي جزيرة سقطرى اليمنية.

ووفق الهيئة، اقترب زورق صغير يقل خمسة أشخاص من إحدى السفن التجارية، ما دفع السفينة إلى إطلاق أعيرة تحذيرية أجبرت القارب على تغيير مساره، في حادثة تعكس حجم التوتر الأمني المتصاعد في الممرات البحرية المحيطة بالخليج والبحر العربي.

هذه الحوادث، حتى وإن بدت محدودة، تكشف أن المنطقة دخلت مرحلة "الأمن البحري الهش"، حيث يمكن لأي احتكاك صغير أو سوء تقدير أن يتحول إلى مواجهة أوسع، خاصة في ظل انتشار القطع العسكرية الغربية والإيرانية، وتزايد نشاط الجماعات المسلحة المرتبطة بمحاور الصراع الإقليمي.

اقتصاد تحت الحصار

المعركة حول مضيق هرمز لم تعد مجرد أزمة جيوسياسية، بل تحولت إلى حرب نفوذ اقتصادية عالمية، إذ يمر عبر المضيق نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعل أي تهديد لحركة الملاحة فيه قادراً على إرباك الاقتصاد الدولي بأكمله خلال أيام قليلة.

وتحاول إيران استثمار هذه الحقيقة عبر سياسة "التحكم المرن"، أي عدم الإغلاق الكامل للمضيق، مقابل فرض نفوذ سياسي وأمني تدريجي عليه، بما يسمح لها بإبقاء العالم تحت ضغط دائم دون الوصول إلى مواجهة شاملة قد تستدعي تدخلاً عسكرياً دولياً واسعاً.

في المقابل، تخشى الدول الغربية والخليجية من أن يؤدي الصمت أو القبول الضمني بالإجراءات الإيرانية الحالية إلى تكريس نموذج جديد من الهيمنة البحرية، تصبح فيه حركة التجارة والطاقة الدولية رهينة للتوازنات السياسية والعسكرية التي تفرضها طهران، وهو ما يفسر تصاعد التحذيرات الدولية من "سابقة هرمز" قبل أن تتحول إلى واقع دائم يصعب تغييره لاحقاً.