خاص| نسخة الـWord تشعل الجدل.. هل أخطأت دار الكتب في القرار أم في طريقة إعلانه؟

في ظل الجدل الدائر حول مطالبة دار الكتب والوثائق القومية بالحصول على نسخة «وورد» من الكتب المودعة، تحدث الدكتور زين عبدالهادي، استاذ علم المعلومات وتاريخ المعرفة جامعة العاصمة ومقرر لجنة الكتاب والنشر بالمجلس الاعلى للثقافة، موضحًا رؤيته العلمية للمسألة، ومؤكدًا أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في فكرة الإيداع الرقمي نفسها، وإنما في غياب النقاش المجتمعي والضمانات الواضحة المتعلقة بحقوق الناشرين والمؤلفين.

في البداية.. كيف تنظرون إلى الجدل المثار حول طلب دار الكتب نسخة Word من الكتب؟
أعتقد أن ما حدث يحتاج إلى قدر كبير من الهدوء والفهم العلمي بعيدًا عن الانفعال. وبوصفي متخصصًا في علم المكتبات والمكتبات الوطنية والنشر وقوانين الإيداع، أؤكد أن طلب نسخة رقمية بصيغة Word ليس أمرًا مبتدعًا أو غير مسبوق عالميًا، لكنه كان يحتاج إلى نقاش موسع وضمانات واضحة تحمي حقوق الناشرين والمؤلفين قبل إقراره أو الإعلان عنه بهذه الصورة.
إذن الفكرة مطبقة بالفعل في دول أخرى؟
بالتأكيد. هناك مكتبات وطنية في عدد من الدول تطبق أنظمة مشابهة، مثل المكتبة الوطنية الأسترالية، والمكتبة الوطنية في نيوزيلندا، وكذلك مكتبة ويلز الوطنية. هذه المؤسسات تتعامل مع النسخ الرقمية ضمن منظومة قانونية وتنظيمية واضحة، تراعي الملكية الفكرية وحقوق المؤلف والناشر، وتحدد طبيعة النسخ المطلوبة وآليات استخدامها وحدود تداولها.
لكن البعض اعتبر أن طلب نسخة Word يمثل خطرًا على حقوق الملكية الفكرية.. ما رأيك؟
هذا التخوف مفهوم ومشروع، لأن أي ملف Word يتيح إمكانية التعامل المباشر مع النص، لكن في المقابل يجب أن نفهم أن المؤسسات الوطنية الكبرى لا تعمل خارج الأطر القانونية. المشكلة ليست في وجود نسخة Word بحد ذاتها، وإنما في غياب الضمانات والإجراءات التي تطمئن الناشرين والمؤلفين بشأن حماية النصوص ومنع تسريبها أو إساءة استخدامها.

وهل النسخ الرقمية مستخدمة بالفعل داخل المؤسسات الأكاديمية؟
نعم، وبصورة واسعة للغاية. كل الجامعات تقريبًا تطلب نسخًا رقمية من رسائل الماجستير والدكتوراه، وكذلك الأبحاث العلمية المقدمة للترقيات. ويتم ذلك لأسباب متعددة، من بينها إنشاء المستودعات الرقمية، وتسهيل عمليات الفهرسة والبحث، وأيضًا استخدام برامج كشف الانتحال والسرقات العلمية.
لكن البعض يرى أن الاكتفاء بملفات PDF أكثر أمانًا.. هل هذا صحيح؟
عمليًا، لا توجد فروق جوهرية كما يتصور البعض، لأن أي ملف PDF يمكن تحويله بسهولة إلى Word باستخدام برامج متخصصة أو حتى عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي. وبالتالي فكرة أن الـPDF عصي تمامًا على التحويل لم تعد دقيقة في ظل التطور التقني الحالي. لكن بالطبع قد يتحمل الناشر تكلفة إضافية إذا احتاج إلى تحويل الملفات من برامج نشر أخرى إلى Word.
برأيك.. لماذا تسعى دار الكتب للحصول على هذه النسخ؟
هناك عدة أسباب منطقية ومهنية وراء ذلك. أولها تطوير عملية الفهرسة والتكشيف indexing، بحيث يصبح البحث داخل المحتوى أكثر دقة وسهولة. ثانيًا، دعم مشروع التحول الرقمي الذي تتبناه الدولة، لأن وجود النصوص بصيغة قابلة للمعالجة يتيح البحث بالكلمات المفتاحية أو الموضوعات أو حتى داخل الفقرات نفسها. وثالثًا، تسهيل عمليات قراءة البيانات آليًا، واستخراج الإحصاءات وتحليل المحتوى مقارنة بملفات PDF المعقدة.
وهل يمكن أن يسهم ذلك في حماية حقوق المؤلف بدلًا من تهديدها؟
في الحقيقة نعم، وهذه نقطة مهمة جدًا. وجود نسخة نصية قابلة للفحص قد يساعد في إثبات حقوق المؤلف الأصلية حال وقوع سرقات أدبية أو علمية أو شعرية. بمعنى أن النسخة الرقمية يمكن أن تصبح أداة لحماية الحقوق وليس العكس، إذا وُضعت داخل إطار قانوني سليم.
إذن أين تكمن الأزمة الحقيقية من وجهة نظرك؟
الأزمة الحقيقية في رأيي تتعلق بطريقة إدارة الملف، وليس بفكرة التطوير نفسها. كان من الضروري أن يصدر القرار بعد حوار مجتمعي واسع يضم اتحاد الناشرين، وهيئة الملكية الفكرية، واتحاد الكتاب، والمؤلفين، والمتخصصين في المكتبات والمعلومات. كما كان ينبغي على دار الكتب أن تشرح بشكل واضح أهداف القرار وضماناته القانونية والتقنية.
هل ترى أن هناك سوء فهم بين دار الكتب واتحاد الناشرين؟
من الواضح بالفعل أن هناك فجوة في التواصل، وربما سوء تفاهم أدى إلى هذا التصعيد. وأتمنى ألا يتسع هذا الخلاف، لأن القضية في النهاية تتعلق بمستقبل النشر والثقافة وحفظ المعرفة، وهي مسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف.
أشرت إلى أن هناك نماذج دولية يمكن الاستفادة منها.. كيف تُطبق هذه الأنظمة في أستراليا ونيوزيلندا؟
في هاتين الدولتين مثلًا، يتم الإيداع القانوني وفق قواعد محددة للغاية. إذا كان الكتاب منشورًا رقميًا فقط، يتم تسليم النسخة الإلكترونية النهائية خلال مدة زمنية محددة بعد إتاحته للجمهور، وفي نيوزيلندا مثلًا تكون المهلة عشرين يوم عمل من تاريخ النشر.
أما إذا كان الكتاب ورقيًا، فلا تُقبل مسودات Word باعتبارها النسخة القانونية الرسمية، بل تُسلَّم النسخة النهائية الكاملة التي طُبع العمل على أساسها.
وهل يتحمل الناشر تكاليف ذلك؟
نعم، في أغلب الحالات يتحمل الناشر أو المؤلف المستقل تكاليف تجهيز النسخ الرقمية أو إرسال النسخ الورقية، باعتبار ذلك جزءًا من الالتزام القانوني بالإيداع. لكن إذا رغبت المكتبة الوطنية لاحقًا في تحويل كتاب ورقي إلى نسخة رقمية لأغراض الحفظ والأرشفة، فالمكتبة هي التي تتحمل التكلفة.
وهل تعتقد أن القانون المصري الحالي يسمح بهذا الإجراء؟
في تقديري، أي خطوة من هذا النوع تحتاج أولًا إلى مراجعة تشريعية واضحة لقانون الإيداع، لأن التطور التكنولوجي يفرض تحديثًا مستمرًا للقوانين المنظمة للنشر والملكية الفكرية. كما يجب تحديد توقيت تسليم النسخ الرقمية وطبيعتها، وهل تكون قبل النشر أم بعده، وما هي الضمانات الخاصة باستخدامها.
وما الذي يجب مراعاته مستقبلًا؟
الأهم هو تحقيق التوازن بين التطور التكنولوجي وحرية المؤلف وحقوق الناشر. العالم يتغير بسرعة، والتشريعات في الدول المختلفة تتطور باستمرار لمواكبة هذا التغيير. لذلك نحن بحاجة إلى نقاش حقيقي يضمن تحديث المنظومة دون الإضرار بالمبدع أو الناشر، لأن حماية المعرفة لا تنفصل عن حماية أصحابها.

