النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

لماذا لا ينجح الحصار البحري في تصفير طموح إيران لسيادة هرمز؟

مضيق هرمز
كريم عزيز -

أجابت الدكتورة شيماء المرسي، الخبيرة في الشئون الإيرانية، على التساؤل الخاص بـ «لماذا لا ينجح الحصار البحري في تصفير طموح إيران لسيادة هرمز؟»، لافته إلى أن الكثير يتسائل عن مدى قدرة إيران على تحمل الحصار البحري الأمريكي، مشددة على أن حقيقة الصمود ليست نابعة من مقاومة اقتصادية، بل من استراتيجية النفس الطويل، والتكيف القسري مع الأزمات، إذ طورت إيران على مدار عقود بنية تحتية تهدف إلى الفصل بين الاحتياجات الأساسية للداخل وبين مسارات التجارة الخارجية، وهذا جعل اعتمادها على الإنتاج المحلي في قطاعات معينة يقلل من حدة الصدمة للحصار البحري، مقارنة بدول أخرى تعتمد كليًا على الاستيراد الاستهلاكي.

وفي الوقت ذاته، تمتلك إيران تاريخيا شبكات غير رسمية ومعقدة لتصدير النفط والالتفاف على القيود البحرية، وهو ما يجعل الحصار -إن كان مؤلما وخانقا- غير قادر على تصفير الصادرات بشكل كامل أو فوري، بحسب تحليل «المرسي»، مشددة على أن السياسة الإيرانية ترتكز على فرضية مفادها أن قدرة النظام على تحمل الضغط الداخلي تفوق قدرة الحكومات الديمقراطية مثل اليابان أو كوريا أو حتى أمريكا على تحمل سخط شعوبها الناتج عن ارتفاع أسعار الوقود، الأمر الذي يحول الأزمة إلى حالة استنزاف دولية، ولعل هذا يكشف سر مراهنة إيران على ديمومة الوضع الحالي.

وأوضحت أنه بمعنى أوسع، تستفيد إيران من الحصار البحري داخليًا، من أجل تعزيز الرواية السياسية حول المظلومية والاستهداف الخارجي، وبالتالي منح القيادة الإيرانية غطاءً لتمرير إجراءات اقتصادية تقشفية قاسية كانت ستواجه معارضة أشد في الظروف الطبيعية: «باختصار، هي تستحمل، لأن خياراتها البديلة أكثر صعوبة، ولأن بنيتها مصممة أساسًا للعمل تحت ضغط اقتصاد المقاومة، مدعومة بأدوات سلطوية وأيديولوجية ترفع من قدرة النظام على امتصاص الضغط الشعبي لفترات طويلة».

ونوهت إلى أنه على النقيض، نجد الدول الصناعية الكبرى مصممة للعمل في بيئة تدفقات تجارية مستقرة، حيث يمكن لخلل بسيط أو زيادة طفيفة في سعر جالون البنزين أن تسقط حكومات أو تغير نتائج انتخابات، وهذا هو لب الرهان الإيراني، أما النقطة الأبرز، فهي أن تصوير الحصار البحري كحرب أمريكية ضد الشعب الإيراني تحديدا يمنح صانع القرار تفويضا أخلاقيا -من وجهة نظر أنصاره- لتحمل التقشف، ويحول أي صوت معارض للسياسات الاقتصادية إلى صوت متماه مع العدو، ما يؤدي بلا شك إلى إفراغ المعارضة الداخلية من زخمها المطلبي.

وشددت على أنه برغم التداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز وما ترتب عليه من حصار بحري أمريكي، ترى طهران في الأزمة، وتعثر التوافقات لإنهاء الحرب، فرصةً لتأكيد قدرتها على صياغة معادلات الطاقة العالمية وفرض قواعد اشتباك جديدة، ورغم أن هذا المسار يقابله تصاعد في الضغوط الدولية والمطالبات بتأمين الممرات المائية، وبالتالي رفع كلفة التأمين والشحن للموانئ الإيرانية، إلا أن إيران استبقت ذلك بتسريع نقل منصات التصدير نحو ميناء جاسك الواقع خارج المضيق على بحر عمان، رغبةً منها في فك الارتباط العضوي بهرمز وتأمين صادراتها ضد أي سيناريوهات إغلاق مستقبلية.

وقالت الدكتورة شيماء المرسي، إن القيادة الإيرانية تدرك جيدًا أن اقتصادات دول الخليج العربية بُنيت تاريخيًا تحت مظلة الهيمنة الأمريكية، وتراهن على أن انحسار هذه الهيمنة مقابل تحقق السيادة الإيرانية على المضيق، سيجبر تلك الدول حتما على البحث عن صيغ توافقية معها، ولن تقتصر هذه الضرورة على القوى الإقليمية فحسب، بل ستمتد لتشمل كافة الدول المعتمدة على طاقة الخليج، والتي ستجد نفسها مضطرة لوضع ترتيبات خاصة تضمن مصالحها، وفي حال استمرت التهديدات الأمريكية باللجوء إلى الخيار العسكري لفتح المضيق، كما نقلت وكالة Cnn اليوم، فإن الواقع الميداني قد كشف للعالم كيف أن أسابيع قليلة من المواجهة مع قوة من الدرجة الثانية كانت كفيلة باستنزاف مخزون الأسلحة الأمريكية إلى مستويات خطيرة دون وجود حلول سريعة في الأفق، وهو وضع يضع مصداقية واشنطن وجديتها في خوض صراع كبير آخر محل تساؤل حقيقي، ويعزز في المقابل من أوراق القوة التي تلاعب بها إيران المجتمع الدولي.