النهار
جريدة النهار المصرية

اقتصاد

مصنع «نيرك».. قاطرة مصر الجديدة لتوطين صناعة السكك الحديدية

مصنع نيرك
أحمد المقدامي -

في خطوة تعد من أبرز التحولات الصناعية في قطاع النقل المصري، تواصل الشركة الوطنية المصرية لصناعات السكك الحديدية NERIC، المعروفة اختصارًا بـ«نيرك»، ترسيخ مكانتها كمشروع استراتيجي يستهدف توطين صناعة عربات القطارات والمترو داخل مصر، وتقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي الذي استنزف مليارات الدولارات على مدار عقود.

ويقع المصنع في المنطقة الصناعية بشرق بورسعيد داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، على مساحة تُقدر بنحو 300 ألف متر مربع، باستثمارات تصل إلى 4.5 مليار جنيه، ليصبح أحد أكبر المجمعات الصناعية المتخصصة في تصنيع الوحدات المتحركة الخاصة بالسكك الحديدية ومترو الأنفاق في الشرق الأوسط.

توطين الصناعة بدلًا من الاستيراد

يمثل مشروع «نيرك» تحولًا مهمًا في استراتيجية الدولة المصرية نحو التصنيع المحلي، خاصة في ظل التوسع الكبير في مشروعات النقل الجماعي مثل خطوط المترو والقطار الكهربائي السريع وتطوير السكك الحديدية التقليدية.

وعلى مدار السنوات الماضية، اعتمدت مصر بصورة شبه كاملة على استيراد عربات القطارات والمترو من دول مثل الصين وكوريا الجنوبية والمجر وإسبانيا، وهو ما رفع فاتورة الواردات بشكل كبير.

لكن مع دخول «نيرك» مرحلة التشغيل الفعلي، بدأت الدولة في نقل التكنولوجيا الصناعية وتوطين عمليات التصنيع والتجميع داخل البلاد.

وتستهدف الشركة تصنيع قطارات المترو وعربات السكك الحديدية محليًا، مع رفع نسب المكون المحلي تدريجيًا، بما يتيح مستقبلاً إنتاج وحدات مصرية كاملة قادرة على المنافسة إقليميًا.

شراكات دولية ونقل للتكنولوجيا

يعتمد المصنع على شراكات تقنية مع شركات عالمية كبرى، أبرزها التعاون مع Hyundai Rotem الكورية الجنوبية، وهي واحدة من أكبر الشركات العالمية المتخصصة في تصنيع قطارات المترو والسكك الحديدية.

وفي أبريل 2026، تفقد وزير النقل المصري خطوط الإنتاج بالمصنع لمتابعة مشروع تصنيع قطارات مترو الأنفاق بالتعاون مع الشركة الكورية، في إطار خطة توطين الصناعة ونقل الخبرات الفنية والتكنولوجية للعمالة المصرية.

كما أعلنت تقارير حديثة انتهاء المصنع من تصنيع أول قطار مترو جديد مخصص للخطين الثاني والثالث لمترو الأنفاق، تمهيدًا لدخوله مراحل الاختبارات النهائية قبل التسليم الرسمي، وهو ما يمثل خطوة تاريخية في مسار التصنيع المحلي للوحدات المتحركة.

طاقة إنتاجية ضخمة

بحسب البيانات الرسمية، تصل الطاقة الإنتاجية الحالية للمصنع إلى نحو 150 عربة مترو و100 عربة سكة حديد سنويًا لكل وردية تشغيل، مع خطط للتوسع مستقبلاً وفق احتياجات السوق المحلية والتصدير الخارجي.

ويُتوقع أن يساهم المصنع في خفض فاتورة استيراد عربات القطارات والمترو، وتوفير العملة الأجنبية ، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.

بالإضافة إلى تطوير الصناعات المغذية مثل الحديد والأنظمة الكهربائية والمكونات الميكانيكية، ودعم خطط الدولة لتحديث أسطول السكك الحديدية ومترو الأنفاق.

وتشير التقديرات إلى أن المصنع يوفر حاليًا أكثر من 500 فرصة عمل مباشرة، إلى جانب أكثر من ألف فرصة غير مباشرة في الصناعات والخدمات المرتبطة به.

أحدث المستجدات

شهد عام 2026 دفعة قوية للمشروع، بعدما افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي رسميًا المصنع خلال احتفالية عيد العمال، مؤكدًا أهمية توطين الصناعات الاستراتيجية وتقليل الاعتماد على الخارج.

كما كشفت تقارير عن توقيع اتفاقية جديدة بين الهيئة القومية لسكك حديد مصر و«نيرك» لتصنيع 500 عربة ركاب مكيفة محليًا، في إطار خطة تحديث أسطول السكك الحديدية المصرية.

وفي الوقت نفسه، أكدت تقارير ميدانية بدء التشغيل الفعلي للمصنع، مع قرب خروج أول قطار يتم تصنيعه بالكامل من داخل بورسعيد خلال الأشهر المقبلة.

بوابة للتصدير الإقليمي

لا تقتصر طموحات «نيرك» على تلبية احتياجات السوق المصرية فقط، بل تستهدف الشركة التحول إلى مركز إقليمي لتصنيع وتصدير عربات السكك الحديدية إلى الأسواق العربية والإفريقية، مستفيدة من موقع مصر الجغرافي والبنية اللوجستية التي توفرها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

ويرى خبراء النقل أن نجاح المشروع سيمنح مصر قدرة أكبر على المنافسة في سوق صناعة الوحدات المتحركة، خاصة مع تزايد الطلب على وسائل النقل الجماعي الحديثة في القارة الإفريقية.

ويمثل مصنع «نيرك» نموذجًا جديدًا للتحول من الاستيراد إلى التصنيع المحلي، وهو ما يتماشى مع رؤية الدولة لتعميق الصناعة الوطنية وتعزيز الاكتفاء الذاتي في القطاعات الاستراتيجية.

ومع استمرار نقل التكنولوجيا ورفع نسب التصنيع المحلي، يتوقع أن تصبح مصر خلال السنوات المقبلة واحدة من الدول القليلة في المنطقة القادرة على إنتاج عربات القطارات والمترو محليًا، بما يفتح الباب أمام عصر جديد لصناعة السكك الحديدية المصرية.