تفويض غير مباشر.. هل تقود موسكو مفاوضات سرية بين طهران وواشنطن؟

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتزاحم الأسئلة وتتصاعد علامات الاستفهام: هل يعكس الجمود العسكري في حرب طهران نهاية مرحلة التصعيد أم مجرد استراحة محارب؟ وهل دخول موسكو على خط الأزمة يمثل تحولًا حقيقيًا نحو الحل السياسي، أم أنه إعادة تموضع استراتيجي في صراع النفوذ الدولي؟ ولماذا اختارت روسيا هذا التوقيت تحديدًا لتقديم نفسها كوسيط؟ وبين حسابات القوة وكلفة المواجهة، تبدو الصورة أكثر تشابكًا، ما يفرض قراءة دقيقة لدلالات هذا التحرك الروسي وما يحمله من رسائل خفية ومعلنة.
في هذا السياق، يؤكد المحلل السياسي محمود الأفندي، الخبير في الشأن الأوروبي، أن حالة اللاحرب القائمة حاليًا ليست نتاج رغبة سياسية، بل نتيجة اضطرار استراتيجي فرضته طبيعة الصراع وكلفته الباهظة.
ويوضح أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها، خاصة إسرائيل، بدأوا يواجهون استنزافًا حقيقيًا في مخزونهم من الأسلحة الاستراتيجية، سواء أنظمة الدفاع الجوي أو الصواريخ، الأمر الذي جعل استمرار العمليات العسكرية مخاطرة قد تقود إلى استنزاف كامل للقدرات القتالية.
وعلى الجانب الآخر، ورغم أن إيران تخوض المعركة على أرضها، فإنها لم تكن بمنأى عن الخسائر، إذ تعرضت قدراتها العسكرية لتراجع ملحوظ، ما دفعها أيضًا إلى القبول بوقف إطلاق النار، إدراكًا منها أن استمرار النزاع لن يكون في صالحها.
ويشير الأفندي إلى أن طبيعة هذه الحرب تختلف جذريًا عن الحروب التقليدية، فهي لا تقوم على جبهات برية واضحة أو تقدم ميداني، بل تعتمد على القصف الجوي والصواريخ متوسطة وقصيرة المدى، وهي أدوات مكلفة للغاية ومحدودة التأثير إذا لم تُستكمل بعمليات برية.
لذلك، فإن استخدامها المستمر دون حسم ميداني يجعل من الصراع عبئًا اقتصاديًا وعسكريًا يفوق قدرة الأطراف على الاستمرار طويلًا، ما يفسر حالة الجمود الحالية.
وعلى الصعيد السياسي، يلفت إلى وجود فجوة واضحة بين مواقف الأطراف وشروطهم، إلا أن الأهم هو وجود رغبة مشتركة في الوصول إلى اتفاق، وهو ما يمثل نقطة انطلاق حقيقية لأي تسوية.
ويستشهد بتصريحات القيادة الروسية التي أكدت استعداد موسكو لبذل كل ما في وسعها لدعم الحل السياسي، معتبرًا أن هذا التصريح يحمل في طياته رسائل مزدوجة: دعم واضح لطهران، وفي الوقت نفسه فتح باب الوساطة مع واشنطن.
ويرى أن زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى موسكو قد تعكس تفويضًا غير مباشر لروسيا لقيادة مسار تفاوضي مع الولايات المتحدة.
أما فيما يتعلق بالحرب الاقتصادية، فيوضح الأفندي أنها دخلت بالفعل مرحلة التنفيذ، لكنها لن تكون طويلة الأمد، نظرًا لعدم قدرة أي من الطرفين على تحمل تبعاتها.
فإيران تواجه ضغوط الحصار البحري، بينما تعاني الولايات المتحدة من تحديات لوجستية تتعلق بإمداد قواتها في المنطقة، وهو ما بدأت بعض وسائل الإعلام الأمريكية في الإشارة إليه.
ويختتم بالتأكيد على أن المؤشرات الحالية تعزز فرضية التهدئة، مع وجود فرصة حقيقية للتوصل إلى اتفاق مرحلي يوقف التصعيد ويفتح الباب أمام تسويات أوسع، في ظل إدراك متزايد بأن كلفة الحرب أصبحت أعلى بكثير من أي مكسب محتمل.

