النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

4 ناقلات.. كيف نجحت الإمارات في خداع إيران وتصدير نفطها عبر مضيق هرمز؟

رست سفينة شحن في ميناء الفجيرة الإماراتي، في ظلّ تضييق حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز نتيجةً للصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني، في 6 مايو 2026. رويترز
عبدالرحمن كمال -

كشفت مصادر في قطاع الطاقة وبيانات تتبع الملاحة البحرية أن الإمارات بدأت خلال الأسابيع الأخيرة تنفيذ عمليات شحن نفطية محفوفة بالمخاطر عبر مضيق هرمز، في محاولة لكسر حالة الاختناق التي فرضتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من إغلاق فعلي للممر البحري الأهم عالمياً.

وبحسب المعلومات، التي كشفت عنها وكالة رويترز للأنباء، فإن عدداً من ناقلات النفط الإماراتية أبحرت عبر المضيق بعد إطفاء أجهزة التتبع الخاصة بها، لتجنب الرصد أو الاستهداف الإيراني، في خطوة تعكس حجم القلق الخليجي من استمرار شلل صادرات الطاقة في المنطقة.

وتشير المعطيات إلى أن هذه الشحنات لا تزال تمثل جزءاً محدوداً مقارنة بحجم الصادرات الإماراتية المعتاد قبل اندلاع الحرب على إيران، إلا أنها تكشف في الوقت نفسه حجم المخاطرة التي باتت أبوظبي والمشترون الآسيويون مستعدين لتحملها لتحرير النفط المحتجز داخل الخليج.

وفي المقابل، أوقفت دول خليجية أخرى، بينها العراق والكويت وقطر، جزءاً كبيراً من صادراتها، بينما اضطرت السعودية إلى الاعتماد بشكل أكبر على مسارات البحر الأحمر، مع خفض الأسعار لجذب المشترين الذين باتوا يتجنبون الشحن عبر هرمز بسبب المخاطر الأمنية المتصاعدة.

شحنات سرية ومعابر ملتوية

ووفقاً لثلاثة مصادر مطلعة وبيانات تتبع السفن وتحليلات أقمار صناعية، تمكنت شركة النفط الوطنية في أبوظبي "أدنوك" من تصدير ما لا يقل عن 4 ملايين برميل من خام “زاكوم العلوي”، إضافة إلى مليوني برميل من خام “داس”، خلال شهر أبريل الماضي، عبر أربع ناقلات انطلقت من موانئ داخل الخليج.

وأظهرت البيانات أن الشحنات نُقلت بطرق معقدة لتجنب المخاطر، حيث جرى تفريغ بعضها عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، قبل إعادة شحن النفط إلى مصافٍ في جنوب شرق آسيا، بينما جرى تخزين شحنات أخرى في سلطنة عمان، أو إرسالها مباشرة إلى مصافٍ في كوريا الجنوبية.

ويُعد هذا أول كشف علني عن نظام التصدير السري الذي تستخدمه أبوظبي للحفاظ على تدفق صادراتها النفطية رغم التوتر العسكري في الخليج، في وقت امتنعت فيه شركة النفط الوطنية الإماراتية عن التعليق على تفاصيل العمليات.

وتكشف هذه الآلية عن تحول الخليج إلى ساحة مناورة بحرية معقدة، حيث أصبحت التجارة النفطية تتحرك تحت مظلة الحرب والتهديدات العسكرية، بعيداً عن أنظمة الملاحة التقليدية التي كانت تحكم أسواق الطاقة العالمية لعقود.

هرمز بين الحصار والابتزاز

ومنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي، ردت طهران عملياً بإغلاق مضيق هرمز أمام معظم الصادرات العالمية، باستثناء صادراتها، ما أدى إلى تعطيل نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية المنقولة بحراً.

كما تسبب الحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية في وقف جزء كبير من صادرات النفط الإيرانية، الأمر الذي دفع أسعار النفط العالمية إلى تجاوز حاجز 100 دولار للبرميل، وسط مخاوف من أزمة طاقة عالمية ممتدة.

وأظهرت بيانات الملاحة أن شركة النفط الوطنية الإماراتية اضطرت إلى خفض صادراتها بأكثر من مليون برميل يومياً منذ بداية الحرب، مقارنة بمعدل تصدير بلغ 3.1 ملايين برميل يومياً خلال العام الماضي.

ورغم أن الجزء الأكبر من صادرات الإمارات يتم عبر خط أنابيب “مربان” الممتد إلى ميناء الفجيرة خارج مضيق هرمز، فإن أبوظبي لا تزال بحاجة إلى استخدام الموانئ الواقعة داخل الخليج لتصدير أنواع أخرى من الخام، وهو ما يضعها مباشرة في قلب التوتر العسكري مع إيران.

ويبدو أن طهران تدرك حساسية هذه النقطة جيداً، إذ تتعامل مع المضيق باعتباره ورقة استراتيجية كبرى في مواجهة واشنطن وحلفائها الخليجيين، في ظل إدراك إيراني بأن السيطرة على هرمز تمنحها قدرة هائلة على التأثير في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.

حرب الظل البحرية

التوتر بلغ ذروته مع اتهام الإمارات لإيران باستخدام طائرات مسيرة لاستهداف ناقلة نفط إماراتية فارغة تُدعى “بركة”، أثناء عبورها مضيق هرمز، في حادثة أعادت تسليط الضوء على هشاشة الأمن البحري في الخليج.

وتعتمد الناقلات الإماراتية على إطفاء أجهزة التعريف الآلي أثناء العبور، وهي تقنية تستخدمها إيران نفسها منذ سنوات للالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على صادراتها النفطية.

هذا التكتيك يجعل من الصعب تتبع الحجم الحقيقي للصادرات الإماراتية الخارجة من الخليج، ما يعني أن الكميات التي جرى رصدها خلال أبريل قد تكون أقل بكثير من الواقع الفعلي.

وبحسب بيانات التتبع، فإن ناقلة “حفيت” العملاقة حمّلت مليوني برميل من خام زاكوم العلوي داخل الخليج في 7 أبريل، قبل أن تعبر مضيق هرمز في 15 من الشهر نفسه.

وبعد خروجها من المضيق، نُقلت الشحنة إلى ناقلة يونانية أخرى، قبل إرسالها إلى مصفاة “بنغارانغ” الماليزية، وهي مشروع مشترك بين شركة “بتروناس” الماليزية و”أرامكو” السعودية.

كما كشفت البيانات عن استخدام ناقلات أخرى لنقل شحنات من الخام الإماراتي إلى كوريا الجنوبية وسلطنة عمان، ضمن شبكة لوجستية معقدة تهدف إلى إبقاء النفط الإماراتي متدفقاً رغم المخاطر العسكرية.

سباق النفط والوقت

وتشير المعطيات إلى أن أبوظبي لا تنوي التراجع عن هذه السياسة، إذ أبلغت بعض عملائها الآسيويين بإمكانية تحميل خامي “داس” و”زاكوم العلوي” خلال مايو الجاري، عبر عمليات نقل بحري خارج الخليج، تشمل موانئ الفجيرة وصحار العمانية.

كما تجري الشركة الإماراتية محادثات مكثفة مع مصافٍ آسيوية لتسويق شحنات جديدة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على أسواق الطاقة العالمية مع استمرار التوتر بين واشنطن وطهران.

ويعكس هذا المشهد حجم التحول الذي أصاب الخليج منذ اندلاع الحرب، حيث لم تعد معركة هرمز مجرد نزاع جيوسياسي، بل أصبحت حرب استنزاف اقتصادية وتجارية تتحكم في حركة النفط العالمية وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.

كما يكشف استمرار هذه العمليات عن فشل الولايات المتحدة حتى الآن في فرض سيطرة كاملة على المضيق، رغم الحشود العسكرية الضخمة التي دفعت بها إلى المنطقة تحت شعار “حرية الملاحة”.

وفي المقابل، تبدو إيران متمسكة باستخدام المضيق كسلاح استراتيجي في معركتها المفتوحة مع واشنطن، وسط إدراك متزايد بأن أي تسوية قادمة لن تكون منفصلة عن معادلة هرمز، التي باتت تمثل القلب الحقيقي للصراع الإقليمي والدولي الدائر في الشرق الأوسط.