النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

صدمة الطاقة الكبرى.. حرب إيران تعيد أوروبا إلى اختبار الاعتماد على النفط

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين
إسلام شحته -

أعادت الحرب المرتبطة بإيران رسم حسابات الطاقة في أوروبا بشكل دراماتيكي، بعدما كشفت الأزمة عن فجوة عميقة بين التقدم في الطاقة النظيفة واستمرار الاعتماد الهيكلي على الوقود الأحفوري، خاصة النفط والغاز المرتبطين بممرات بحرية حساسة مثل مضيق هرمز.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لخّصت المشهد بعبارة لافتة أمام البرلمان الأوروبي: “44 يومًا، 22 مليار يورو، دون جزيء إضافي واحد من الطاقة”.
فمنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، ارتفعت فاتورة واردات الوقود الأحفوري في الاتحاد الأوروبي بأكثر من 22 مليار يورو، ليس بسبب زيادة الاستهلاك، بل نتيجة اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار عقب إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز.

صدمة إمدادات غير مسبوقة

يمر عبر المضيق نحو ربع تجارة النفط البحرية عالميًا، لكن الحرب خفّضت تدفقات الخام من نحو 20 مليون برميل يوميًا إلى ما يزيد قليلاً على مليوني برميل فقط خلال مارس. كما تراجعت إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الخليج، خاصة من قطر والإمارات، بأكثر من 300 مليون متر مكعب يوميًا، ما تسبب في خسارة أسبوعية تتجاوز ملياري متر مكعب من الغاز.

هذا الاضطراب وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه “أكبر صدمة عرض في تاريخ سوق النفط”، بل وأحد أكبر التهديدات لأمن الطاقة العالمي على الإطلاق.

الأزمة تصل إلى حياة المواطنين

لم تبقِ التداعيات في إطار الأرقام، بل انعكست مباشرة على حياة الأوروبيين، من ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة فواتير الطاقة والمواد الغذائية. فتعطل سلاسل الإمداد، خاصة للوقود والأسمدة مثل اليوريا التي يعتمد أكثر من 30% من صادراتها العالمية على المرور عبر الخليج، أدى إلى موجة تضخم تمتد إلى رفوف المتاجر.

وفي الوقت نفسه، تواجه دول الاتحاد صعوبة في ملء مخزونات الغاز قبل الشتاء، إذ لا تتجاوز مستويات التخزين حاليًا 30%، ما يدفع بروكسل لدراسة خفض هدف التخزين لعام 2026 من 90% إلى 80%.

ثلاثية المواجهة: التنسيق والحماية وخفض الطلب

ردًا على الأزمة، طرحت المفوضية الأوروبية خطة طوارئ ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية:

التنسيق: إدارة مشتركة لمخزونات الطاقة ومنع تنافس الدول الأعضاء على الإمدادات بما يرفع الأسعار.
الحماية: تخفيف قواعد الدعم الحكومي لمساندة الأسر والصناعات الأكثر تضررًا.
خفض الطلب: تسريع كفاءة الطاقة والتحول الكهربائي لتقليل الاستهلاك دون اللجوء إلى التقنين.

هذه الإجراءات تعكس خبرة سابقة اكتسبها الاتحاد خلال أزمة الطاقة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، لكنها هذه المرة تأتي تحت ضغط أكبر وبوتيرة أسرع.

مفارقة الطاقة النظيفة: كهرباء بلا نفط

رغم أن أكثر من 70% من الكهرباء في الاتحاد الأوروبي تُولد حاليًا من مصادر متجددة أو نووية، إلا أن الأزمة كشفت حقيقة أساسية: الكهرباء لا تعوّض النفط.
فقطاعات النقل والتدفئة والصناعة الثقيلة لا تزال تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري، ما يجعل أوروبا عرضة لاضطرابات خارج سيطرتها.

الأزمة كفرصة للتحول

ترى بروكسل أن فاتورة الـ22 مليار يورو ليست مجرد خسارة، بل حجة سياسية قوية لتسريع التحول الطاقي. وتشمل الخطط تسريع مشاريع شبكات الكهرباء، وإطلاق استراتيجية شاملة للكهربنة، إلى جانب تعبئة استثمارات خاصة في مجالات التخزين والبطاريات.

كما يعمل الاتحاد على تعزيز حضوره الجيوسياسي، عبر دعم جهود دولية لإعادة تأمين الملاحة في مضيق هرمز، وتوسيع مهامه البحرية بالتعاون مع شركاء إقليميين.

في المحصلة، تدير أوروبا أزمة لم تكن طرفًا فيها، لكنها تدفع تكلفتها الاقتصادية والاستراتيجية. وبين هدنة هشة في الشرق الأوسط ومستقبل غير واضح لحركة الملاحة، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل تتحول هذه الأزمة إلى نقطة تحول حقيقية في استقلال الطاقة الأوروبي، أم تعود القارة إلى أنماطها القديمة بمجرد انحسار التوتر؟