كيف تسببت زلة لسان للمستشار الألماني في تدمير علاقته مع ترامب؟

أطاحت زلة لسان أمام طلاب مدرسة ثانوية في منطقة زاورلاند عامٍ كاملٍ من الدبلوماسية الحذرة التي نسجها المستشار الألماني فريدريش ميرز مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فحين وصف المستشار الألماني طهران بأنها «تُهين» واشنطن في حربها مع إيران، ردّ ترامب بضربات موجعة طالت الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا والسيارات الأوروبية والعلاقات عبر الأطلسي في آنٍ واحد، ليجد ميرز نفسه الآن مضطرًا إلى التراجع والتودد.
وكشفت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن ميرز أمضى عامه الأول في الحكم يسير على حبل مشدود، رافضًا الانبطاح أمام ترامب، ومحاولًا في الوقت ذاته صون المصالح الألمانية والأوروبية، وقد زار واشنطن مرتين، وعاد في مارس بشهادة رئاسية نادرة؛ حين وصفه ترامب بـ«القائد الممتاز» وأثنى على ألمانيا، ليصف مدير المعهد العالمي للسياسات العامة في برلين، ثورستن بينر، تلك المرحلة بأنها لعبة توازن محفوفة بالمخاطر، لافتًا إلى أن الوئام كان مآله الانهيار في نهاية المطاف، بصرف النظر عن أي زلة.
غير أن الزلة وقعت مبكرًا، حين أبلغ ميرز الطلاب أن طهران تُهين الولايات المتحدة في حربها مع إيران، وهي تصريحات جاءت في سياق انتقادات متصاعدة للحرب الإيرانية التي رفعت أسعار الوقود وشلت توقعات النمو الألماني لعام 2026 عند 0.5% فحسب، ورد ترامب بعنف موزع على عدة جبهات في آنٍ واحد، فوصف ميرز بـ«عديم الفاعلية» ودعاه إلى إصلاح بلده المنهار، ثم أعلن سحب 5 آلاف جندي أمريكي من ألمانيا هذا العام، وألغى نشر الصواريخ بعيدة المدى التي كانت تُعَد ركيزة الردع الأطلسي في مواجهة روسيا، وهدد برفع الرسوم الجمركية على السيارات الأوروبية من 15% إلى 25%.
ولفتت فايننشال تايمز إلى أن هذه الإجراءات لم تكن مفاجأة تامة لبرلين، لكن إستراتيجية ميرز كانت تقوم على شراء الوقت، ريثما تُعيد القارة الأوروبية بناء منظومتها الدفاعية، وأوضح خبير الأمن نيكو لانجه، أن التصعيد كان قابلًا للتفادي، مضيفًا أن ترامب يستجيب لمثل هذه التصريحات برد فعل نيويوركي كلاسيكي: الضربة الفورية، وذهب النائب البارز في حزب ميرز روديريش كيسيفيتر إلى ما هو أبعد، بقوله إن المشكلة الحقيقية تكمن في أن أوروبا لم تُثبت بعد أنها شريك أمني جدير يستحق الاحتفاظ بالوجود الأمريكي، وعلى الصعيد الاقتصادي، حذر رئيس معهد إيفو الاقتصادي، كليمنس فوست، من أن النزاع التجاري المتصاعد مضافًا إلى تداعيات حرب إيران قد يدفع ألمانيا إلى الركود الكامل.
وأكد شتيفان براتتسيل، المتخصص في مجال صناعة السيارات، أن الرسوم المرتفعة ستجعل أسعار السيارات الألمانية في السوق الأمريكية باهظة بشكل مُنفر، مطالبًا بـمحادثات عاجلة لاحتواء الأزمة، وقدّر معهد كيل للاقتصاد العالمي أن الرسوم الجديدة قد تقتطع ما يصل إلى 0.3 نقطة مئوية من النمو خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، ما يجعل الانكماش الاقتصادي "أكثر ترجيحًا" إذا استمر التصعيد، وفق ما أفاد به يوليان هينتز، مدير أبحاث السياسة التجارية في المعهد.
وكشفت مجلة بوليتيكو أن ميرز لجأ إلى إستراتيجية مغايرة، جوهرها إخبار ترامب بما يريد سماعه، ففي مقابلة مع التلفزيون الألماني، حمّل المستشار الاتحاد الأوروبي نفسه مسؤولية إحباط ترامب، قائلًا إن الأخير "مُحِقٌّ في خيبة أمله" جراء تأخر أوروبا في إتمام اتفاقية تيرنبيري التجارية مع واشنطن، ومعربًا عن دعمه لاستكمالها في أقرب وقت، بما في ذلك في مواجهة الاعتراضات الفرنسية، وبالقدر ذاته، تراجع عن انتقاداته للحرب الإيرانية، ليؤكد أن برلين وواشنطن تجمعهما أهداف مشتركة في منع طهران من امتلاك السلاح النووي، معلنًا استعداده للمساعدة في تأمين مضيق هرمز بعد وقف إطلاق النار.

