النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

باحث فلسطيني لـ”النهار”: المؤتمر الثامن لـ”فتح” مطالب بتجديد القيادة وإدماج الشباب

حركة فتح - أرشيفية
عبدالرحمن كمال -

قال الأكاديمي الفلسطيني والباحث السياسي الدكتور أسعد العويوي، إن حركة فتح شكّلت منذ انطلاقتها في أواخر خمسينيات القرن الماضي العمود الفقري للنضال الوطني الفلسطيني، وأسهمت في إعادة صياغة الهوية السياسية للشعب الفلسطيني في مرحلة كانت فيها القضية مهددة بالتهميش.

وأوضح العويوي، في تصريحات لـ"النهار"، أن الجيل المؤسس، وفي مقدمته ياسر عرفات وخليل الوزير وصلاح خلف، لعب دوراً حاسماً في بناء البنية الفكرية والتنظيمية للحركة، وتحويلها من تنظيم ناشئ إلى مشروع وطني شامل.

وأضاف أن هذا الجيل نجح في المزج بين الكفاح المسلح والعمل السياسي والدبلوماسي، ما مكّن الحركة من التقدم إلى موقع مركزي داخل منظمة التحرير الفلسطينية، لتتحول من فصيل إلى عنوان جامع للنضال الوطني الفلسطيني، يجمع بين أدوات المقاومة والعمل السياسي في آن واحد.

ازدواجية السلطة والحركة

وأشار العويوي إلى أن المشهد الفلسطيني الراهن يكشف عن حالة ازدواجية واضحة داخل حركة فتح، التي باتت تجمع بين كونها سلطة راسخة تمسك بمفاصل الحكم، وحركة سياسية تتراجع تدريجياً في وجدان الشارع الفلسطيني. واعتبر أن هذا التناقض هو نتاج مسار طويل من التحولات، خاصة بعد دخول الحركة في معادلة الحكم عبر السلطة الوطنية الفلسطينية.

وبيّن أن سيطرة الحركة على المؤسسات الأمنية والإدارية في الضفة الغربية تمنحها قوة تنظيمية واضحة، لكنها في الوقت ذاته تضعها في مواجهة مباشرة مع أزمات الحياة اليومية للمواطنين، من الاقتصاد إلى الأمن، وهو ما انعكس سلباً على صورتها الشعبية وأضعف حضورها الجماهيري.

أزمة القيادة والجمود

وأوضح أن القيادة الحالية، بزعامة محمود عباس، تمثل رمزاً للاستمرارية، إلا أن غياب آليات التجديد السياسي وتأجيل الانتخابات خلق حالة من الجمود داخل الحركة، وفتح المجال أمام تنافس داخلي بين تيارات متعددة.

وأضاف أن هذا الجمود التنظيمي ترافق مع تراجع الثقة الشعبية، في ظل غياب محاسبة فعلية، وتآكل ديناميكيات العمل الحزبي، ما جعل الحركة تبدو أقل قدرة على التجدد أو استيعاب التحولات السياسية والاجتماعية.

تحديات المنافسة السياسية

وفي السياق ذاته، لفت العويوي إلى أن حركة فتح تواجه تحدياً متصاعداً من قوى فلسطينية أخرى، وفي مقدمتها حركة حماس، التي نجحت في تعزيز حضورها، خاصة في قطاع غزة، مستفيدة من خطاب مختلف وأدوات تأثير بديلة.

وأشار إلى أن استمرار رهان فتح على المسار الدبلوماسي، المرتبط بإرث اتفاقية أوسلو، يأتي رغم تعثر هذا المسار وتراجع الثقة به لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين، ما يعمّق الفجوة بين الحركة والشارع.

المؤتمر الثامن اختبار مصيري

وأكد العويوي أن انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح يمثل لحظة اختبار حاسمة، ليس فقط كاستحقاق تنظيمي، بل كفرصة نادرة لإعادة بناء الحركة من الداخل. وشدد على أن أهمية المؤتمر لا تكمن في إعادة ترتيب الأطر التنظيمية فحسب، بل في مدى قدرته على الاستجابة لتطلعات الشارع الفلسطيني.

وأوضح أن المواطن الفلسطيني لم يعد معنيًا بتوازنات الأطر بقدر ما يبحث عن تحولات حقيقية، تشمل تجديد القيادة عبر آليات ديمقراطية شفافة، وتفعيل مبدأ المحاسبة، وتقديم برنامج سياسي واضح يلامس الواقع اليومي.

مطالب الشارع والتحول المطلوب

وبيّن أن الشارع الفلسطيني يتطلع إلى حركة تستعيد صلتها بقضاياه اليومية، لا بوصفها سلطة تدير الأزمات، بل كإطار وطني يقود مشروعاً سياسياً جامعاً. كما أشار إلى ضرورة إعادة تعريف العلاقة بين العمل الدبلوماسي وأشكال المقاومة الشعبية، بما يعكس نبض الشارع بدلاً من الجمود السياسي.

وأضاف أن إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية يمثلان مطلباً مركزياً، لا كشعار سياسي، بل كخطوة عملية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

قرارات حاسمة مطلوبة

وشدد العويوي على أن المؤتمر مطالب باتخاذ قرارات حاسمة تتجاوز الشعارات، تشمل تجديد القيادة، وإدماج جيل الشباب في مراكز القرار، ووضع حد لحالة التكلس التنظيمي التي أضعفت الحيوية الداخلية للحركة.

كما دعا إلى إعادة صياغة البرنامج السياسي بما يوازن بين الثوابت الوطنية ومتغيرات الواقع، وتحديد أدوات النضال بشكل واضح بين الدبلوماسية والمقاومة الشعبية، بدلاً من تركها في حالة ضبابية مستمرة.

مفترق طرق تاريخي

وختم العويوي تصريحه بالتأكيد على أن أزمة حركة فتح لم تعد مجرد تراجع تنظيمي أو خلاف داخلي، بل تحولت إلى سؤال وجودي يمس جوهر المشروع الوطني الفلسطيني، في ظل مرحلة تتآكل فيها المسلمات وتُعاد صياغة موازين القوى.

وشدد على أن المؤتمر الثامن يقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يشكل نقطة انعطاف حقيقية تعيد الحيوية إلى الحركة، أو يتحول إلى محطة جديدة في مسار إدارة الأزمة والتأجيل. وفي هذا السياق، يبقى السؤال المركزي مطروحاً: هل ستظل فتح حركة تحرر وطني، أم تتحول نهائياً إلى سلطة بلا مشروع سياسي جامع.