أسامة شرشر يكتب: هل تُفسِد مصر المخطط الإسرائيلي لاحتلال دمشق؟

هناك تباينات وتشابكات تدور في الكواليس داخل الغرف المغلقة، وهي نتاج طبيعي للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فالزيارات المفاجئة التي قام بها أسعد الشيباني، وزير الخارجية السوري، إلى القاهرة، في هذا التوقيت الهام والحساس، بعد فترة من عدم التلاقي بين الملفين المصري والسوري، تعطي دلالة خطيرة بأن إسرائيل تسعى بشكل مفاجئ لاحتلال دمشق، وهذا ما يسمى في العلم السياسي بـ(الواقعية السياسية) وليس (فقه الأولويات).
فـ(فقه الواقع) يجعل احتلال دمشق الآن جزءًا من مخطط الكيان الصهيوني، حتى تفرض سيطرتها على الجنوب اللبناني ودمشق وبلاد الشام، لتكون نقطة انطلاق لمواجهة إيران، خاصة أن إسرائيل واليمين المتطرف، تستشعر أنه قد يحدث اتفاق بين أمريكا وإيران لوقف الحرب، فهي تضع الإدارة الأمريكية في مواجهة (الأمر الواقع) من خلال الضغط بأدواتها ممثلة في اللوبي الصهيوني في أمريكا، خاصة أن إسرائيل تروج بأن إيران تمثل لها خطرًا وجوديًا.
كما يتردد أن مصر ستكون هي القبلة السياسية لدول الخليج العربي، بعد وجود الخلافات والاختلافات التي تدور في الكواليس الخليجية، خاصة بعد غياب سلطنة عمان عن الاجتماع الأخير لمجلس التعاون الخليجي، والإعلان (غير المفاجئ) عن خروج الإمارات من منظمة أوبك التي تقودها السعودية، وإعلان الجزائر دعمها للموقف السعودي.
أما الكيان الصهيوني فإنه يردد أن هناك دولًا سنية في المنطقة ستكون معه في تحالف جديد لمواجهة ما أسماه بالمد الإيراني.. فهل يقصد نتنياهو الإمارات؟ أم يقصد دولًا خليجية أخرى؟ هذا ما لم يتم تأكيده حتى الآن!
ومن خلال قراءة واقعية لموازين القوى، وإعادة تقييم للتحالفات الإقليمية، والمتغيرات السياسية والتحولات العالمية، ومن منطلق مكانة مصر التاريخية والإقليمية ودورها كنقطة ارتكاز، فإنه يجب طرح مشروع علاقات خليجي - إيراني يضم أيضًا سوريا والعراق اللذين كانا يمثلان جناح الأمن القومي العربي، ويكون هذا المشروع بقيادة مصر، ليكون حائط صد ضد المخطط والمشروع الصهيوني الأمريكي، لتكون هذه هي البداية لوقف المد الاستعماري في المنطقة، وهذا بالطبع لن يتحقق إلا بحل الخلافات الخليجية الإيرانية أولًا، وإلزام إيران باحترام سيادة دول الخليج، وأخذ تعهدات بعدم تكرار الاعتداءات الإيرانية مجددًا؛ لأن الدول الخليجية فقدت الثقة في إيران، وهذه حقيقة وليست كلامًا، خاصة بعد أن استخدمت كل وسائل الهجوم على كل دول الخليج بلا استثناء على الرغم من أنها كانت مفعولًا بها وليست بفاعل.
فهل تنجح مصر في احتواء (تصدع البيت الخليجي) الذي يمثل أول نقطة في المشروع الصهيوني الكبير الذي يسعى إلى تقسيم الدول العربية إلى دويلات تعمل ضد بعضها البعض حتى يتحقق الحلم الصهيوني بتحويل (إسرائيل الصغرى) إلى (إسرائيل الكبرى) وحلم (من النيل إلى الفرات)؟
وهل تنجح مصر في وضع أسس حقيقية لعلاقة عربية إيرانية بعيدًا عن الوصاية الأمريكية أو الأوروبية، وأن يكون هذا الاتفاق اتفاقًا عربيًّا إيرانيًّا فقط؟
إذا نجحت مصر في هذا، مثلما نجحت في إيقاف المد الصهيوني في غزة، ستكون قد حققت ضرورة سياسية وعسكرية وأمنية لإحباط المخطط الإسرائيلي.
أما الاتفاق الأمريكي الإيراني فإنه أصبح مستبعدًا تمامًا الآن، بعدما كان يسير بشكل جيد- وهذه استنتاجات وليست معلومات- لأن ترامب خلال الفترة الأخيرة يستخدم كل أدوات الضغط المنطقية وغير المنطقية على الجانب الإيراني، لدرجة أنه فرض حصارًا على الحصار الإيراني لمضيق هرمز، ليصبح الحصار ليس على مضيق هرمز فحسب، ولكن على نفط إيران والخليج ومصادر الطاقة الرئيسية للعالم كله.
وهنا يجب أن نحذر من أن قضية تخزين النفط الإيراني أصبحت قضية خطيرة جدًّا، ربما تؤدي إلى كارثة بترولية وبيئية، خاصة بعد وقف إمدادات النفط الإيراني للصين.
بينما إذا حدث المستحيل وتم الاتفاق بين أمريكا وإيران، وكان الملف النووي على رأس جدول الأعمال، فإنه سيكون وفق العرف السياسي (الصفقة الناقصة)، خاصة أن الاتفاق سيكون سببه الضغط على ترامب من الكونجرس والشارع والجامعات الأمريكية، وحتى من الحزب الجمهوري نفسه، الذي يخشى من أن استمرار المغامرة بعملية عسكرية، قد يكتب نهاية ترامب والحزب الجمهوري.
فهل تقوم مصر- كلاعب إقليمي كبير- بالتدخل لدعم هذا الاتفاق بين إيران وأمريكا؟ خاصة أن باكستان اعترفت بأن القاهرة وأنقرة- مع السعودية وسلطنة عمان- تلعبان دورًا محوريًّا في الوساطة.
من هنا يجب أن نعترف بأن العالم العربي أصبح على حافة الغليان بسبب التوترات والانقسامات، والمستفيد الأول والوحيد مما يجري هو إسرائيل، التي تعمل بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة لحصار الدور المصري في المرحلة القادمة.
فهل تنجح مصر والعرب في إحداث اتفاق حقيقي؟ أم أن هذه مجرد أحلام سياسية لن تجد لها مكانًا على أرض الواقع السياسي؟
أفيقوا يا عرب وانتبهوا.. واستمعوا إلى صوت مصر، وجيش مصر، وشعب مصر، وهذه هي الحقيقة الواقعية الوحيدة في خضم الحروب والانقسامات التي لا تنتهي في هذه المنطقة.

