مشروع الحرية في هرمز: ضغط أمريكي بغطاء إنساني وصمود إيراني يختبر حدود القوة

قال الخبير الاستراتيجي الدكتور محمد خليل مصلح إن التوتر الأمريكي–الإيراني في مضيق هرمز يدخل مرحلة “إدارة الصراع” أكثر من كونه اتجاهاً نحو الحسم، في ظل تداخل الحسابات العسكرية مع الأهداف السياسية والاقتصادية، بعد حرب قصيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، انتهت بهدنة هشة في أبريل.
وأضاف مصلح، في تصريحات لـ"النهار"، أن المشهد الحالي يعكس حالة من الاشتباك المركّب، حيث يتقاطع الحصار البحري المتبادل مع مسارات تفاوض غير مباشرة، في وقت تسعى فيه واشنطن لتحقيق اختراق سياسي سريع، بينما تعمل طهران على استثمار عامل الوقت لتعزيز موقعها دون تقديم تنازلات جوهرية.
تداعيات الحرب
أوضح مصلح أن جذور الأزمة الحالية تعود إلى الحرب التي اندلعت بين فبراير وأبريل 2026، والتي رغم قصرها الزمني، خلّفت تداعيات استراتيجية عميقة، أبرزها فرض حصار بحري متبادل أدى إلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، واحتجاز عشرات السفن التجارية وناقلات النفط.
وأشار إلى أن الهدنة التي أُعلنت في أبريل لم تعالج جوهر الأزمة، بل أوقفت العمليات العسكرية المباشرة فقط، في حين بقيت أدوات الضغط قائمة، وعلى رأسها إغلاق المضيق جزئياً، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حركة التجارة العالمية وأسعار الطاقة.
ولفت إلى أن هذا الواقع خلق بيئة تفاوضية معقدة، حيث تتداخل الضغوط الاقتصادية العالمية مع الحسابات السياسية الداخلية لكل من واشنطن وطهران، ما يجعل أي تحرك في المضيق ذا أبعاد تتجاوز الجغرافيا إلى موازين القوى الدولية.
مشروع الحرية
وبيّن مصلح أن ما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحت اسم “مشروع الحرية” يحمل طابعاً مزدوجاً، إذ يتم تقديمه كتحرك إنساني لإنقاذ السفن العالقة وتأمين إمداداتها، بينما يخفي في جوهره أهدافاً عسكرية وسياسية واضحة.
وأكد أن المشروع يعتمد على نشر قوة عسكرية كبيرة تشمل 15 ألف جندي وأكثر من 100 طائرة ومدمرات وصواريخ ومنصات مسيّرة، مع التركيز على إنشاء ممرات آمنة وتقديم دعم استخباراتي للسفن، دون الانخراط في مرافقة مباشرة لكل السفن.
وأضاف أن الأهداف الفعلية للمشروع تتجاوز البعد الإنساني، وتشمل كسر الجمود في المضيق، وخفض أسعار النفط، واختبار رد الفعل الإيراني، إلى جانب تعزيز موقع ترامب التفاوضي قبيل تحركاته الدولية، خاصة في ظل سعيه لتحقيق إنجاز سياسي سريع.
الموقف الإيراني
في المقابل، أشار مصلح إلى أن إيران تتعامل مع “مشروع الحرية” باعتباره خرقاً للهدنة ومحاولة لفرض واقع جديد في المضيق، مؤكداً أنها لوّحت باستهداف أي قوة عسكرية تقترب من المياه التي تعتبرها ضمن سيادتها.
وأوضح أن طهران، رغم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها نتيجة تراجع صادرات النفط، لا تزال متمسكة باستخدام المضيق كورقة استراتيجية، وتسعى إلى كسب الوقت عبر طرح مبادرات تفاوضية تشمل رفع الحصار واستعادة الأصول وتأجيل بعض الالتزامات النووية.
وأضاف أن الرد الإيراني المتوقع سيكون محسوباً، بحيث يتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، مع إمكانية تنفيذ تحركات محدودة مثل تفتيش السفن أو استخدام الطائرات المسيّرة، بهدف الحفاظ على هيبة الردع دون التصعيد الكبير.
استراتيجية ترامب
وأكد مصلح أن استراتيجية ترامب تقوم على مزيج من “الضغط الأقصى” والانفتاح الدبلوماسي، حيث يسعى إلى فرض معادلة جديدة عبر استخدام القوة كأداة تفاوضية، وليس كخيار نهائي للحسم العسكري.
وشدد الخبير الاستراتيجي على أن ترامب يحاول أن يستبق زيارته الى الصين بإنجاز ينعش أوراق التفاوض بقوة مع بكين. وأشار إلى أن الإدارة الأمريكية تفضّل تحقيق تقدم سريع نحو اتفاق جزئي يشمل الملف النووي وفتح المضيق، لكنها في الوقت ذاته تحتفظ بخيار التصعيد عبر ضربات محدودة تستهدف القدرات الإيرانية في حال تعثرت المفاوضات.
وأضاف أن هذا النهج يعكس محاولة لتحقيق توازن بين تحقيق إنجاز سياسي داخلي، وتجنب كلفة حرب واسعة، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الولايات المتحدة، وتأثيرات أي تصعيد على الاقتصاد العالمي.
المخاطر والسيناريوهات
وبيّن مصلح أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار التوتر مع إمكانية التوصل إلى صفقة جزئية خلال الأسابيع المقبلة، تتضمن فتحاً محدوداً للمضيق مقابل خطوات نووية إيرانية محدودة ورفع جزئي للعقوبات.
وأشار إلى وجود احتمال أقل يتمثل في تصعيد محدود نتيجة حوادث ميدانية، قد يؤدي إلى ضربات متبادلة قصيرة قبل العودة إلى طاولة المفاوضات، في حين يبقى احتمال التوصل إلى اتفاق شامل ضعيفاً بسبب الفجوة الكبيرة في المواقف.
وحذر من أن المخاطر الرئيسية تتمثل في ارتفاع أسعار النفط، واضطراب التجارة العالمية، واحتمال حدوث سوء تقدير قد يدفع الأطراف إلى مواجهة أوسع، خاصة في ظل ما وصفه بـ”عجز فائض القوة” الأمريكية عن تحقيق حسم سريع.
توازنات القوة
وأوضح مصلح أن الولايات المتحدة تمتلك تفوقاً عسكرياً بحرياً واستخباراتياً واضحاً، إلى جانب أدوات ضغط اقتصادي قوية، لكنها تواجه قيوداً تمنعها من استخدام هذا التفوق بشكل حاسم.
في المقابل، أشار إلى أن إيران تعتمد على موقعها الجغرافي وقدرتها على إدارة حرب غير متكافئة، باستخدام أدوات منخفضة التكلفة مثل المسيّرات، إلى جانب شبكة من الحلفاء الإقليميين، ما يمنحها قدرة على الاستنزاف دون الدخول في مواجهة مباشرة.
وأكد أن هذا التوازن غير المتكافئ يجعل الصراع أقرب إلى حالة “تجميد استراتيجي”، حيث لا يستطيع أي طرف تحقيق انتصار حاسم، في ظل استمرار الاشتباك عند مستويات مدروسة.
أفق المرحلة القادمة
وختم مصلح بأن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة، إذ تقف المنطقة أمام خيارين رئيسيين: إما تحقيق تقدم دبلوماسي ملموس يؤدي إلى تخفيف التوتر وفتح المضيق جزئياً، أو الانزلاق إلى مواجهات محدودة تعيد ضبط التوازنات بالقوة.
وأضاف أن عامل الوقت يلعب دوراً محورياً، خاصة مع سعي ترامب لتحقيق إنجاز قبل تحركاته الدولية، مقابل تمسك إيران باستخدام المضيق كورقة ضغط استراتيجية، ما يجعل الأيام القادمة مفتوحة على جميع الاحتمالات.
وأشار إلى أن المشهد العام يعكس صراعاً بين إرادتين: الأولى تسعى لفرض وقائع سريعة عبر القوة، والثانية تراهن على الزمن والاستنزاف، في معادلة معقدة تضع الاقتصاد العالمي في قلب المواجهة.

