النهار
جريدة النهار المصرية

رئيس التحرير

أسامة شرشر يكتب: «طبخة» إسلام آباد!

أسامة شرشر-رئيس تحرير جريدة النهار
-

من خلال المتابعة الدقيقة للمفاوضات المباشرة وغير المباشرة، وحالة الشد والجذب، بين أمريكا وإيران، ظهرت تساؤلات هامة لدى الرأي العام العالمي، أهمها: هل تنجح «طبخة» إسلام آباد في إحداث (الصفقة الكبرى) بين واشنطن وطهران؟ أم أن هذه الطبخة ستكون مسمومة وتحول العالم إلى بركان من الآلام والفوضى والدمار؟
أعتقد أن زيارة عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، إلى إسلام آباد مرتين خلال 48 ساعة، بعد توقفه في سلطنة عمان هذه الدولة التى تلعب دورًا محوريًا مهمًا وخطيرًا ولا يتم الإعلان عنه، تؤكد أن عمان وباكستان تحظيان بثقة الطرفين المتفاوضين، مع ضرورة التأكيد على الدور المصري غير المعلن والذي سيتم الإعلان عنه بعد انتهاء هذه الطبخة التى تتم في سرية غير عادية، ولا ننسى أيضًا السعودية التى تقف معهم في نفس المطبخ، وتلعب بكثير من الأوراق لإنجاح «طبخة إسلام آباد» لأن دول الخليج العربي كان مفعولًا بها ولم يتم أخذ رأيها في الهجوم على إيران أو حتى في الاتفاق النووي عام 2015، وهذه كانت «أم الكبائر»، فدول الخليج هي جزء أساسي من الحل لأنها ببساطة هي من تدفع فاتورة هذه الحرب وغيرها من الحروب في المنطقة.
وأعتقد أنه بدأت أخيرًا تتشكل رؤية عربية جادة لعدم تكرار الأخطاء الكارثية السابقة، ولا أستبعد أنه بعد الانتهاء من «طبخة إسلام آباد» أن تقوم مصر بإعداد طبخة أخرى بين إيران ودول الخليج بدعم باكستاني تركي، لسبب بسيط جدًّا- بعيدًا عن التحليلات والاستغراق في النظريات- أن هذه الدول الفاعلة والمؤثرة والإقليمية تريد إسقاط المخطط الإسرائيلي الصهيوني اليميني المتطرف بقيادة مجرم الحرب نتنياهو، وإعادة ترتيب تحالفات الشرق الأوسط بما يضمن تحقيق هذا الهدف.
وأعتقد أن رسالة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في عيد تحرير سيناء التى قال فيها (إن منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف دقيقة ومصيرية، إذ تشهد مساعي مدبرة لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى أيديولوجية متطرفة) تعطي إشارة ودلالة خطيرة جدًّا أن اليمين المتطرف الإسرائيلي المدعم بالمشروع الماسوني ينتظر اللحظة المناسبة لتنفيذ مخططه، وهو احتلال منطقة الشرق الأوسط، وتغيير وجهها وإنشاء ما يسمى (إسرائيل العظمى) عسكريًّا واقتصاديًّا، وهذا هو ما أشار إليه ترامب عندما قال (إن مساحة إسرائيل صغيرة جدًّا جدًّا).
فلذلك تعمل باكستان الدولة النووية البارزة فى الشرق الاوسط بكل ما تملك من صبر ورؤية ثاقبة ونزاهة كوسيط موثوق به، على تقريب وجهات النظر، وربما تتمكن من صنع قنبلة باكستانية كبرى وهي طبخة إسلام آباد على غرار قنبلتها النووية، بعقد أخطر اتفاق في تاريخ الصراع العربي الإسلامي- الإسرائيلي، لأن نتنياهو يسعى بكل ما يمتلك من أدوات ضغط داخل اللوبي الصهيوني في واشنطن لمحاولة إفشال هذه المحادثات، واستبعاد لبنان من مكونات الطبخة التى يتم إعدادها في إسلام آباد، حتى يتم الانفراد به ورسم ما يسمى بالخط الأصفر والخط الأخضر مثلما فعلت إسرائيل في سوريا وفي غزة، خاصة أن باكستان لا تربطها علاقة دبلوماسية مع إسرائيل وهذا هو سر جنون نتنياهو.
وفي القلب من «طبخة إسلام آباد» يأتي الملف النووي الإيراني، وملف تخصيب اليورانيوم
، وإذا نجحت إسلام آباد والدول العربية الفاعلة في تفكيك هذه الأزمة، فسيتم فتح مضيق هرمز فورًا وينتهى الحصار الأمريكي، والترتيب لمسار المفاوضات التى ستستغرق شهورًا طويلة في تفاصيلها بين أمريكا وإيران، ولكن المهم أنه سيتم رفع الحصار، ورفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة، وربما تستحق إيران تعويضًا عن استهداف بنيتها التحتية الذي قامت به إسرائيل وأمريكا، وأعتقد أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية ستكون لاعبًا رئيسيًّا في تنفيذ الطبخة التى تحتاج أيضًا لدعم دول كبرى مثل روسيا والصين، خاصة بعد لقاء الرئيس بوتين مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لإيجاد حلول عملية لأزمة اليورانيوم الإيراني ونسب تخصيبه، فهل تنجح روسيا وتحظى بدعم ترامب وتنهى عقبة الملف النووي الذي قد يكون سببًا في انفجار الموقف وتجدد العمليات العسكرية؟
وعلى العرب أن ينتبهوا أن هذه هي الفرصة السانحة بعيدًا عما يسمى بمجلس السلام العالمي في موضوع (غزة) الذي تم نسيانه في ظل الأحداث السريعة والمتلاحقة، ويجب أن يكون للعرب دور فاعل حتى لا يظلوا للأبد دولًا مفعولًا بها، وإذا تم ذلك سيتم فتح المجال لإحداث تسوية في كثير من الملفات سواء في فلسطين أو لبنان أو سوريا أو العراق أو اليمن، ومن هنا نكون قضينا فعلًا على المشروع الصهيوني، وتبقى إسرائيل (صغرى) نتيجة أفعالها كدولة لدرجة تصنيف رئيس وزرائها وأعضاء حكومتها مجرمي حرب.
علينا أن نعترف بأننا قصرنا بالسماح للكيان الصهيوني بتنفيذ هذه المؤامرات لسنوات طويلة، ونحن كنا غير قادرين على الرد، وللأسف ساهم البعض منا في ذلك،
والآن جاءت الفرصة لمواجهة هذا المخطط والتخلص منه إلى الأبد.
أما إذا فسدت الطبخة في إسلام آباد، فسيدخل العالم العربي والمنطقة في غيبوبة طويلة الأجل، ولا أحد يعرف النتائج التى ستُبنى على هذه الغيبوبة العربية، ولكن المؤكد أنها ستكون سببًا في موت وتأخر المنطقة اقتصاديًّا وتنمويًّا، وتصبح ثرواتها وشعوبها هي والعدم السواء لأنها ستكون تحت الحصار والوصاية الأمريكية الأبدية، وهذا وضع لا نتمناه على الإطلاق.
أفيقوا وانتبهوا يا عرب..
فالتاريخ لن يرحم أحدًا والأجيال العربية الواعدة لن تترحم على أحد.. والمتغطي بقواعد الأمريكان عريان، وكذلك الدب الروسي والتنين الصيني، فالمصالح تتصالح، ولن يفيد العرب إلا الاعتماد على أنفسهم وشعوبهم.
كفانا خلافات ونعرات قطرية، فالوقت ليس في صالحنا ولكن في صالح الصهاينة.
توحدوا مرة واحدة.. يرحمكم الله.