خبير استراتيجي لـ”النهار”: المشهد الإقليمي يتجه نحو “تبريد الصراع” عبر تفاهمات غير مباشرة وصفقات خلفية

يطرح الخبير الاستراتيجي الدكتور محمد خليل مصلح قراءة تحليلية للمشهد الإقليمي الراهن، تقوم على منهجية “التحليل الجيوسياسي المركب” التي تمزج بين الواقعية السياسية ونظرية الألعاب لفهم سلوك القوى الفاعلة في بيئة تتسم بعدم اليقين والتقلب. ويؤكد أن هذا النهج يتيح بناء سيناريوهات مستقبلية تستند إلى محركات التغيير الفعلية، وليس إلى التقديرات النظرية المجردة.
ويشير إلى أن التحليل اعتمد على أدوات متعددة، من بينها تخطيط السيناريوهات، ونموذج “العجز الذكي” الذي يفسر كيفية تحويل نقاط الضعف إلى أدوات ردع، إلى جانب تحليل المصالح المتعارضة للأطراف الإقليمية والدولية. كما استند إلى بيانات وتقارير دولية حديثة، تشمل استطلاعات رأي وتحليلات عسكرية واقتصادية صادرة عن مراكز أبحاث ومؤسسات دولية.
مفاهيم الصراع الحاكم
يرى مصلح أن فهم المشهد الحالي يتطلب التوقف عند ثلاثة مفاهيم استراتيجية تحكم سلوك الأطراف. أولها “فائض القوة المعطل”، حيث تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل قدرات عسكرية هائلة، لكنها تبقى مقيدة بتكلفة الحرب الشاملة، التي قد تتجاوز مكاسبها السياسية، خاصة في ظل تهديد استقرار أسواق الطاقة والبنية التحتية الإقليمية.
أما المفهوم الثاني فهو “الاستنزاف الآلي”، الذي تعتمد عليه إيران عبر استخدام أدوات منخفضة التكلفة، مثل الطائرات المسيّرة، في مواجهة منظومات دفاعية باهظة، ما يخلق فجوة اقتصادية تستنزف الخصم على المدى الطويل. ويؤكد أن هذه المعادلة لا تُرهق الموارد فقط، بل تُحدث ضغطًا نفسيًا متواصلاً.
المفهوم الثالث يتمثل في “اللامتناظرة المعكوسة”، حيث ينجح الطرف الأضعف في فرض قواعد اشتباك لا يرغب بها الطرف الأقوى، مستفيدًا من حساسية الأنظمة الغربية للخسائر البشرية والاقتصادية، ما يحوّل التفوق العسكري إلى عبء استراتيجي.
حسابات القادة وضغوط الداخل
في قراءته لسلوك الأطراف، يوضح مصلح أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحرك ضمن معادلة “البراجماتية تحت الضغط”، ساعيًا إلى تحقيق صفقة سياسية تعزز صورته، في ظل تراجع شعبيته الاقتصادية. ويستبعد في الوقت ذاته خيار التصعيد العسكري الشامل بسبب كلفته السياسية، كما يستبعد الانسحاب الكامل لما يحمله من تداعيات على صورته القيادية.
وفيما يتعلق برئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، يرى أن دافعه الأساسي يتمثل في “البقاء الاستراتيجي”، عبر إطالة أمد التوتر لتفادي أزماته الداخلية، في ظل صعوبة تحقيق حسم عسكري، ومخاطر الانهيار السياسي في حال التوجه نحو تسوية سريعة.
أما إيران، فيصف استراتيجيتها بـ”الصمود التفاوضي”، حيث تسعى إلى رفع العقوبات مع الحفاظ على توازنها الداخلي، دون الانزلاق إلى حرب شاملة أو تقديم تنازلات جوهرية تمس شرعية النظام.
قنوات الوساطة والتوازنات الدولية
يبرز التحليل دور باكستان كقناة وسيطة “رمادية” قادرة على التواصل مع جميع الأطراف، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع طهران وواشنطن. كما يشير إلى أدوار موازية لكل من روسيا والصين، اللتين توفران دعماً اقتصادياً وسياسياً لإيران، وتسعيان لتعزيز موقعهما كقوى توازن في النظام الدولي.
وفي السياق ذاته، يلفت إلى أن الاتحاد الأوروبي يركز على الجوانب الإنسانية وأمن الملاحة، بينما تتبنى قوى إقليمية مثل السعودية ومصر سياسة “الحياد النشط”، بهدف تجنب تداعيات الانفجار الإقليمي على استقرارها الداخلي ومصالحها الاقتصادية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
يحدد مصلح ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار الأزمة. يتمثل الأول في “الصفقة المتعددة الطبقات”، التي تقوم على تسويات متدرجة تشمل ملفات سياسية واقتصادية وأمنية، وقد تتضمن تفاهمات غير مباشرة بين واشنطن وطهران.
أما السيناريو الثاني فهو “الانهيار الداخلي”، سواء في إيران نتيجة الضغوط الاقتصادية، أو في إسرائيل بسبب الانقسامات السياسية، ما قد يفتح الباب أمام تدخلات دولية أوسع.
في حين يتمثل السيناريو الثالث في “الشرارة غير المقصودة”، الناتجة عن خطأ حسابي في الميدان، قد يقود إلى تصعيد خارج السيطرة، ويستدعي انخراط قوى دولية بشكل مباشر.
قيود القانون والضغط الأخلاقي
يشير التحليل إلى أن الفاعلين يواجهون قيودًا متزايدة، سواء على المستوى القانوني أو الأخلاقي، خاصة مع تصاعد الضغوط الدولية بشأن حماية المدنيين في غزة ولبنان، وهو ما يضعف شرعية العمليات العسكرية.
كما يبرز ملف حرية الملاحة في مضيق هرمز كأحد العوامل الحساسة، في ظل رفض دولي لأي إجراءات قد تعرقل حركة التجارة، إضافة إلى تصاعد التوتر داخل المؤسسات الأمريكية نفسها، مع تزايد الأصوات المنتقدة لاستمرار الحرب.
اتجاه نحو تسويات مرهقة
يخلص مصلح إلى أن المشهد الإقليمي يتجه نحو “تبريد الصراع” عبر تفاهمات غير مباشرة وصفقات خلفية، بدلًا من الحسم العسكري. ويرى أن المرحلة المقبلة ستتسم بمحاولات إدارة التوتر وليس إنهاءه، عبر مزيج من الضغوط والتسويات المرحلية.
ويؤكد أن هذا المسار يعكس انتقال الصراع من المواجهة المباشرة إلى “حرب استنزاف سياسية واقتصادية”، تُنتج في النهاية تسويات مرهقة، لا ترقى إلى مستوى السلام، لكنها تمنع الانفجار الشامل.

