خبير فلسطيني لـ”النهار”: الانتخابات المحلية محاولة لتكريس المرجعية في ظل الحرب والانقسام

قال الخبير الاستراتيجي الفلسطيني الدكتور محمد خليل مصلح إن إجراء الانتخابات المحلية في الضفة الغربية ودير البلح في قطاع غزة، في هذا التوقيت، يعكس سعيًا واضحًا من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لإعادة تثبيت شرعيته السياسية، وإعادة التأكيد على أن المرجعية لا تزال بيد السلطة الفلسطينية، في ظل تحولات إقليمية وضغوط دولية متزايدة.
وأضاف مصلح، في تصريحات لـ"النهار"، أن هذه الخطوة تحمل رسائل موجهة بالأساس إلى أطراف دولية وإقليمية، في مقدمتها الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، وكذلك إلى الطروحات المتعلقة بتشكيل لجان تكنوقراط لإدارة المرحلة المقبلة، مشيرًا إلى أن عباس يحاول الالتفاف على هذه المبادرات عبر انتخابات محلية "لا تقدم ولا تؤخر" في المشهد السياسي العام.
وأوضح مصلح أن هذه الانتخابات، بدلًا من أن توحد النظام السياسي الفلسطيني، تكرّس حالة الانقسام الجغرافي والسياسي، وكأنها تُجرى في مناطق "محررة" مقابل مناطق أخرى تخضع للاحتلال الإسرائيلي أو تعاني من حالة عدم استقرار وصراعات داخلية وخارجية، سواء مع الاحتلال أو ضمن البنية الداخلية الفلسطينية.
وأشار الخبير الاستراتيجي إلى أن السلطة الفلسطينية، في ظل عجزها عن تقديم حلول حقيقية لقطاع غزة أو اتخاذ إجراءات تخفف من معاناة السكان في ظل حرب الإبادة المستمرة، تلجأ إلى ما وصفه بـ"الموقف الانتهازي"، عبر محاولة عرقلة أي ترتيبات بديلة، بما فيها فكرة لجان التكنوقراط، رغم إقراره بوجود إشكاليات داخل هذه الطروحات.
وأضاف أن عباس يرفض هذه البدائل، ليس فقط لأسباب سياسية، بل لأنه يرى أن استلام قطاع غزة يجب أن يمر عبر إنهاء حركة حماس عسكريًا، وهو ما يجعله يعتبر أي تدخل مباشر في القطاع حاليًا بمثابة تحدٍ أمني وسياسي يفوق قدرة السلطة.
وفي السياق ذاته، لفت إلى أن موقف السلطة يتعارض مع تحركات عدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين، من بينهم الإدارة الأمريكية، ومصر، وتركيا، والإمارات، موضحًا أن أحد دوافع رفض السلطة لبعض الطروحات يعود إلى إدراكها أن تشكيل لجان تكنوقراط قد يفتح المجال أمام نفوذ شخصيات محسوبة على تيارات منافسة، في إشارة إلى دور غير مباشر لشخصيات مدعومة إقليميًا.
وأكد مصلح أن هذه الانتخابات لا تمثل في جوهرها تحولًا سياسيًا حقيقيًا، بل هي خطوة تكتيكية تهدف إلى إحياء حضور السلطة الفلسطينية بعد سنوات من التراجع والغياب، في ظل ما وصفه بـ"الموت السريري" الذي أصاب مؤسساتها خلال سنوات الحرب على غزة وتراجع مواقفها الوطنية.
وأضاف أن هناك قراءة أخرى مفادها أن السلطة قد تراهن على رفض بعض القوى الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، لهذه الانتخابات، بما يتيح تحميلها مسؤولية تعطيل أي مسار سياسي أو شراكة وطنية، رغم إدراك الجميع لحجم القيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على أي عملية سياسية فلسطينية.
وفيما يتعلق بمستوى المشاركة، أشار مصلح إلى أن نسبة الإقبال في دير البلح التي تدور حول 23% من أصحاب حق الاقتراع تعكس حالة عزوف شعبي واضحة، وتطرح تساؤلات حول جدوى هذه الانتخابات في ظل الأوضاع الراهنة.
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن إجراء الانتخابات في ظل استمرار العدوان على قطاع غزة، وغياب أي دور فعلي للسلطة في مسار المفاوضات أو المواجهة، يعزز الانطباع بأن الهدف الأساسي هو إعادة تقديم السلطة كمرجعية سياسية، محذرًا من أن اختزال القضية الفلسطينية في بعدها الخدمي أو الإنساني، عبر مثل هذه الاستحقاقات المحدودة، قد يساهم في تهميش جوهرها السياسي والوطني.

