محمد هلوان يكتب| حين تفقد الثقافة معناها: من الوعي إلى الوهم المعرفي

يحمل المعنى اللغوي لكلمة "الثقافة" في جوهره دلالات الفهم والاستيعاب والفطنة، فضلًا عن القدرة على تحصيل المعرفة وتوظيفها. أما في معناها الاصطلاحي، فقد تطوّر ليعبّر عن حالة أوسع من الوعي؛ وعيٍ يتجاوز حدود المعرفة الجزئية إلى إدراك شامل لمجريات الأمور، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع أو حتى الدولة. إنها ليست مجرد تراكم معلومات، بل اتساع في الرؤية، وعمق في الفهم، وقدرة على الربط والتحليل.
غير أن هذا المفهوم، رغم وضوح أصوله، لم يسلم من التشوّه مع كثرة الاستخدام وسوء التوظيف. فقد أصبحت كلمة "الثقافة" تُستعمل في غير موضعها، حتى كادت تفقد معناها الحقيقي، وتتحول إلى مصطلح فضفاض يُطلق على كل من يملك قدرًا من المعلومات، بغض النظر عن قدرته على الفهم أو التحليل أو الإبداع.
فعلى سبيل المثال، شاع استخدام وصف "المثقف" للدلالة على الشخص المتخصص في مجال معين، أو ذاك الذي يمتلك رصيدًا كبيرًا من المعلومات في مجالات متعددة. غير أن هذا التصور يختزل الثقافة في مجرد "خزان معرفي"، ويُفرغها من مضمونها الأعمق. فالمثقف الحقيقي ليس من يجمع المعلومات فحسب، بل من يمتلك القدرة على تحويل هذه المعارف إلى رؤية، وعلى إنتاج أفكار جديدة تنبع من فهمه العميق للواقع. أما من يكتفي باستدعاء ما حفظه، دون أن يُعيد تشكيله أو يوظفه في سياق معاصر، فهو أقرب إلى آلة تسجيل، تُعيد إنتاج الماضي دون وعي بحاجات الحاضر.
ومن جهة أخرى، ارتبط مفهوم الثقافة في الخطاب العام بمصطلحات مثل "الاحتلال الثقافي" أو "التغريب"، خاصة في المجتمعات الشرقية. حيث يُنظر إلى تدفّق الأفكار والمفاهيم القادمة من الغرب باعتباره تهديدًا للهوية، ومحاولة لفرض أنماط فكرية وسلوكية مغايرة. وفي هذا السياق، تُستخدم الثقافة كأداة للهيمنة غير المباشرة، عبر التأثير في الوعي الجمعي، وإعادة تشكيله بما يتماشى مع مصالح قوى أكثر تفوقًا.
كما برز مفهوم "القوة الناعمة" بوصفه أحد أوجه توظيف الثقافة، من خلال الفن والأدب وسائر أشكال التعبير الإنساني. فالدول لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل باتت تسعى إلى التأثير في الآخرين عبر ما تنتجه من أعمال فنية وثقافية، تُقدَّم بلغة جذابة يسهل تقبّلها، وتُسهم في نقل رؤى وأفكار معينة إلى شعوب أخرى.
ورغم كل هذه الاستخدامات، تظل الثقافة أوسع بكثير من أن تُختزل في أداة أو وسيلة. فهي في حقيقتها نتاج إنساني خالص، يتكوّن عبر التفاعل المستمر بين الأفراد والمجتمعات، ويتراكم مع الزمن ليشكّل ما يُعرف بالتراث. وهي قادرة، في عصر التكنولوجيا، على الانتشار بسرعة غير مسبوقة، متجاوزة الحدود الجغرافية والثقافية.
ومع ذلك، تواجه الثقافة اليوم تحديات عميقة، لعل أبرزها تراجع الاهتمام بالجانب الإنساني لصالح النزعة المادية والعملية. فقد أصبحت التكنولوجيا، في كثير من الأحيان، عاملًا يحدّ من الإبداع بدلًا من أن يعزّزه، إذ تُحوّل الإنسان إلى متلقٍ سلبي للمعلومات، يسهل توجيهه والتأثير عليه. وفي ظل هذا الواقع، تبرز مخاوف من فقدان الإنسان لقدرته على التفكير الخلّاق، ومن تحوّله إلى كيان يُدار من الخارج، وفق أيديولوجيات قد لا تنسجم مع طبيعته الإنسانية.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بانتصار هذا الواقع على الثقافة. فالإبداع جزء أصيل من تكوين الإنسان، ولا يمكن اقتلاعه بسهولة. والثقافة، بما تحمله من ارتباط وثيق بالعاطفة والوجدان، تظل حاضرة في عمق التجربة الإنسانية. إنها ليست ترفًا يمكن الاستغناء عنه، بل ضرورة وجودية تمنح الحياة معناها.
لذلك، ورغم ما تواجهه من أزمات وصراعات، ستظل الثقافة قادرة على الاستمرار، ولو بقدر محدود. لأنها ببساطة، تعبير عن إنسانية الإنسان، وبدونها يفقد وجوده معناه، ويتحوّل إلى مجرد كيان بلا روح.

