ميليشيات طهران تعود للداخل.. هل تنقلب أذرع إيران الخارجية إلى تهديد يضرب النظام من الداخل؟

يثير الظهور المتزايد لعناصر من الميليشيات الحليفة لإيران داخل أراضيها موجة واسعة من التساؤلات حول دلالات هذا التطور، وما إذا كان يعكس تراجعًا في كفاءة المنظومة الأمنية الإيرانية بعد الضربات القاسية التي تعرضت لها خلال الأشهر الأخيرة، أم أنه مجرد إجراء احترازي لمواجهة سيناريوهات اضطراب داخلي محتمل.
فبعد سنوات من استخدام هذه الجماعات كأدوات نفوذ خارج الحدود، بدأت طهران – وفق تقارير متعددة – في استدعاء أذرعها الإقليمية إلى الداخل الإيراني، في تحول يراه مراقبون غير مسبوق في طبيعة العلاقة بين النظام وشبكة الميليشيات المرتبطة به.
تحركات ميدانية داخل إيران
خلال الأيام الماضية، تحدثت تقارير عن انتشار عناصر من ميليشيا فاطميون الأفغانية في شوارع طهران، إلى جانب تحركات مماثلة في محافظة خوزستان ومدينة آبادان، حيث شوهدت مركبات تحمل أعلام هذه التشكيلات.
كما أشارت معلومات أخرى إلى وجود عناصر من لواء زينبيون الباكستاني ضمن هذه المنظومة، ما يعكس حضورًا متعدد الجنسيات داخل العمق الإيراني.
وفي موازاة ذلك، أعلن قيادي في حركة النجباء العراقية، فراس الياسر، أن جماعته أرسلت قوافل دعم ومساعدات مالية واسعة من العراق إلى إيران خلال الحرب الأخيرة، معتبراً الخطوة دليلاً على "التضامن"، ومحذرًا الطبقة السياسية العراقية من تجاهل التحولات الجارية في العلاقة مع طهران.
من أذرع خارجية إلى قوات داخلية
وعلى مدى سنوات، لعب فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني دورًا محوريًا في تأسيس وتمويل وتسليح هذه الجماعات، بهدف توسيع النفوذ الإيراني في المنطقة دون الدخول في مواجهات مباشرة.
فقد تأسس لواء فاطميون عام 2013، وتم استخدامه في سوريا والعراق ولبنان، بينما أنشئ لواء زينبيون في العام نفسه، وضم مقاتلين من شيعة باكستان، للمشاركة في الحرب السورية.
كما اعتمدت إيران على شبكة أوسع شملت حزب الله اللبناني، والحوثيين في اليمن، وفصائل عراقية مثل كتائب حزب الله، عصائب أهل الحق، حركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، إلى جانب التنسيق مع حركة حماس في غزة.
لكن انتقال بعض هذه القوى إلى الداخل الإيراني يمثل – بحسب خبراء – تحولًا نوعيًا في وظيفة هذه الأذرع، من أدوات تمدد خارجي إلى وسائل حماية للنظام من الداخل.
هل يعكس ذلك ضعفًا أمنيًا؟
يرى محللون أن لجوء طهران إلى عناصر أجنبية أو شبه أجنبية لحماية الداخل، قد يشير إلى اهتزاز الثقة في بعض التشكيلات المحلية مثل الباسيج أو حتى وحدات من الحرس الثوري، خصوصًا بعد الضربات التي طالت بنية الأمن والاستخبارات الإيرانية.
ويقول خبراء إن استقدام ميليشيات تدين بالولاء العقائدي المباشر للنظام قد يكون محاولة لتعويض التآكل في الجاهزية أو الولاء داخل المؤسسات التقليدية، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام مشكلات أكثر تعقيدًا.
لعنة حزب الله.. درس من سوريا
ويستحضر مراقبون تجربة حزب الله اللبناني في سوريا، حين أدى انخراطه العسكري الواسع هناك إلى كشف شبكاته وخطوط إمداده وهياكل قيادته، ما منح خصومه – وعلى رأسهم إسرائيل – فرصة ذهبية لاختراقه استخباراتيًا.
فالتوسع خارج البيئة الطبيعية للحزب أدى إلى ما وصفه البعض بـ"لعنة حزب الله"، حيث تحول الانتشار الواسع إلى نقطة ضعف، بدلًا من كونه مصدر قوة.
ويرى خبراء أن السيناريو ذاته قد يتكرر داخل إيران، لكن بصورة أكثر خطورة، إذا تحولت أراضيها إلى ساحة انتشار مكثف لقوات غير إيرانية يسهل تتبعها واختراقها.
تعقيدات اللغة والولاء والثقافة
يؤكد خبراء عسكريون أن إدخال مقاتلين من خلفيات مختلفة إلى بيئة اجتماعية معقدة مثل إيران، يحمل مخاطر كبيرة. فالفوارق اللغوية والثقافية، وعدم المعرفة الدقيقة بالمجتمع الإيراني، قد يؤدي إلى إرباك أمني بدلًا من تعزيز الاستقرار، فضلًا عن صعوبة السيطرة على مجموعات متعددة الجنسيات ذات هياكل تنظيمية متفاوتة. كما أن بعض هذه الفصائل لا يتمتع بدرجة عالية من المركزية أو الانضباط، ما يجعلها أكثر قابلية للاختراق أو الانقسام أو العمل خارج السيطرة المباشرة.
عبء داخلي واستنزاف متزايد
ويرى باحثون في الشأن الإيراني أن استمرار الاعتماد على هذه الأذرع قد يقود إلى نتائج عكسية، بحيث تتحول من أدوات نفوذ إلى مصادر استنزاف مالي وأمني وسياسي. فكلما اتسع حضورها داخل البلاد، زادت نقاط التسريب والرصد، وارتفعت كلفة السيطرة، وتفاقم الغضب الشعبي من وجود مجموعات أجنبية تتدخل في الشأن الداخلي. كما أن استدعاء ميليشيات خارجية لقمع الداخل قد يرسل رسالة ضعف أكثر من كونه رسالة قوة.
أداة ردع ورسالة للخارج
في المقابل، يرى آخرون أن هذه الشبكة لا تزال تمثل ورقة ضغط استراتيجية بيد طهران، سواء في الحرب أو التهدئة. فالفصائل المرتبطة بإيران في العراق واصلت – وفق تقارير – استهداف مصالح أميركية في أربيل ومحيط السفارة الأميركية في بغداد، كما امتدت عملياتها إلى دول مجاورة، ما يعكس استمرار استخدامها كورقة ضغط إقليمية. وبالتالي، فإن وجود هذه الأذرع داخل إيران قد لا يكون فقط لحماية النظام، بل أيضًا رسالة مزدوجة: للداخل بأن السلطة لا تزال قادرة على الردع، وللخارج بأن أدوات النفوذ الإيرانية ما زالت فاعلة.
هل بدأت طهران تأكل أدواتها؟
السؤال الأبرز اليوم هو: هل ما يجري يمثل إعادة تموضع ذكية من جانب إيران، أم بداية مرحلة تتحول فيها أدوات النفوذ الخارجية إلى عبء داخلي يهدد استقرار النظام نفسه؟
فالاعتماد الطويل على الميليشيات منح طهران نفوذًا واسعًا في المنطقة، لكنه قد يفرض عليها اليوم كلفة مرتفعة داخل حدودها. وبين الحاجة الأمنية العاجلة والمخاطر الاستراتيجية بعيدة المدى، تبدو إيران أمام معادلة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
وفي هذا السياق قال الخبير العسكري والاستراتيجي العميد ناجي ملاعب، إن الأذرع الإقليمية المرتبطة بإيران لا تزال تمثل ورقة ضغط رئيسية بيد طهران، موضحًا أن هذه الجماعات لعبت دورًا بارزًا خلال مراحل التصعيد الأخيرة، ولا تزال حاضرة في حسابات التهدئة ووقف إطلاق النار.
وأضاف ملاعب أن استمرار تحركات الفصائل الموالية لإيران، خصوصًا في العراق، يعكس تمسك طهران باستخدام هذه الشبكة كأداة لإدارة الصراع وممارسة الضغط على خصومها الإقليميين والدوليين.

