ماهر مقلد يكتب: القاهرة.. مدينة الذاكرة العالمية

من يزور القاهرة أو يتجوّل في مدن مصر الكبرى، يدرك منذ اللحظة الأولى أنها دولة تحمل روح العالم في شوارعها وأحيائها.
الأسماء التي تسمى بها الميادين، الشوارع، الجامعات، والكنائس، ليست مجرد عناوين جغرافية، بل تعكس تاريخ مصر الطويل في التفاعل مع الشرق والغرب، وتجسد التقدير للرموز الدولية والأحداث العالمية.
لا تقتصر التسمية على المؤسسات التعليمية والسياسية، بل تمتد إلى الدينية والثقافية، أسماء تحمل دلالات الانفتاح والتعايش الثقافي، وتجعل من القاهرة مساحة حية لاحتضان الحضارات المختلفة.
هكذا رصد الدكتور طلال أبو غزالة علاقة مصر بالعالم فى كتابه "مصر فى عيون طلال أبوغزالة" وهو كتاب يتناول مصر كما يعرفها ويتابع عن قرب تطورها واستقرارها.
يذكر الكتاب أن هذا الانتشار المتنوع للأسماء الأجنبية والعربية داخل مصر ليس صدفة، بل يعكس الوعى الحضارى والانفتاح الثقافى الذى تتميز به الشخصية المصرية، مصر لم تنغلق على ذاتها فى يوم من الأيام بل اعتبرت التكريم والاحتفاء بالآخر جزءا من استراتيجيتها في بناء جسور التفاهم الدولي.
ويذكر طلال أبو غزالة أن الشوارع والميادين والأحياء التي تحمل أسماء قادة وشعوبًا من كل القارات هي صفحات من تاريخ الدبلوماسية المصرية، ومرآة تعكس احترام الدولة للتاريخ والإنسان، وتحوّل المدن إلى سجل حي للذاكرة العالمية على أرض مصر.
ويقول: حين يسير المرء في شارع شارل ديجول أو ميدان سيمون بوليفار، أو يمر بجوار جامعة الملك سلمان، فإنه لا يعبرُ طرقًا ومبانى، بل فصولًا من العلاقات الدولية، وصورة مصر التي ترى نفسها مركزًا للتلاقي الحضاري، وقلبًا ينبض بالاحترام المتبادل والتقدير العالمي.
وفي العصر الحديث، تحمل القاهرة محور شينزو آبي، رئيس وزراء اليابان الراحل شينزو آبي (1954–2022)، الذي دعم العلاقات المصرية اليابانية وأسهم في التعاون العلمي والثقافي ومشروع التعليم المصري الياباني.
وفي قلب القاهرة القديمة، يقف مسجد الحاكم بأمره شاهدًا على ألف عامٍ من التاريخ الإسلامي؛ بناه الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في القرن الحادي عشر، وما زال من أروع معالم العمارة الفاطمية في العالم.
وفي المقابل، نجد كنيسة سانت تريزا، التي تحمل اسم القديسة تريزا والطفل يسوع (1873–1897)، رمز المحبة والإيمان في الكنيسة الكاثوليكية، وتعبّر عن عمق التعايش الديني الذي يميز مصر عبر قرون.
وفي أقصى الجنوب، يطلّ ضريح آغا خان في أسوان، تخليدًا لزعيم الطائفة الإسماعيلية محمد شاه آغا خان الثالث (1877–1957)، أحد رموز الإصلاح الإسلامي والإنساني في العصر الحديث، رمزًا للتسامح والجمال الروحي.
شارع جول جمال، تخليدًا للبطل السورى جول جمال (1932–1956)، الضابط البحري الذي استشهد في العدوان الثلاثي على مصر بعد أن فجّر بنفسه سفينة معادية.
مدينة الشيخ زايد، التي تحمل اسم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (1918–2004)، مؤسس دولة الإمارات وأحد أكثر القادة العرب دعمًا لمصر وشعبها.
جامعة الملك سلمان الدولية تُجسّد الشراكة بين مصر والسعودية، وتحمل اسم الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، تقديرًا لدوره في دعم التعليم والتكامل العربي.
تزدحم القاهرة أيضًا بأسماء العواصم والمدن العربية التي تعكس وحدة الوجدان العربي:
شارع الجزائر وعدن وبيروت، ميدان عمان، شارع القدس، ميدان لبنان، فلسطين، شارع جدة، دمشق- أسماء تجعل من العاصمة المصرية مرآةً للعروبة، ومن جغرافيتها ذاكرة مشتركة للشعوب العربية.
بل تمتد روح القاهرة لتشمل أسماء دول بعيدة مثل شارع سيرلانكا، في إشارة إلى الصداقة والتقارب الحضاري بين الشرق العربي والآسيوي، شارع شارل ديجول رمز فرنسا البارز وشارع البرازيل.
مدينة تحتفي بالإنسان أيًا كان موطنه، وتضعه في قلبها إذا ترك أثرًا في ضمير العالم.
ولهذا، تبقى القاهرة أكثر من عاصمة.

