النهار
جريدة النهار المصرية

رئيس التحرير

أسامة شرشر يكتب: ماذا بعد الاتفاق المبدئى بين أمريكا وإيران؟

أسامة شرشر- رئيس تحرير جريدة النهار
-

لقد توقعنا وتنبأنا بأن هناك صفقة كبرى ستعقد، واتفاقًا ضخمًا سيتم، بين أمريكا وإيران، لأن سياسة (اتفاقية اللحظة) التى يمارسها ترامب على العالم، جعلتنا نعيش حتى الدقائق الأخيرة في حيرة وتساؤل: هل يتم الاتفاق أم لا؟
وكنا أول من تنبأ باحتمال سفر ترامب إلى باكستان- إذا تم الاتفاق المبدئى- ليسوِّق نفسه أنه صانع السلام في العالم، وأنه حقق ما لم يحققه أي رئيس أمريكي آخر على مدار 47 عامًا حيث لم يحدث لقاء أمريكى إيرانى مباشر طوال هذه المدة التى تقارب نصف قرن.

وقلت إن (الصفقة الكبرى) ليست سياسية فحسب، ولكنها ستكون صفقة اقتصادية للطرفين الأمريكي والإيراني، بعدما أصبحت سوق الطاقة من نفط وغاز وسلاسل الإمداد البتروكيماوية والغذائية هى التي تنفذ دبلوماسية (الصفقات الترامبية)، فترامب لا يعتمد في اتخاذ قراراته على آراء الخبراء والمتخصصين في الشأن الدبلوماسي في وزارة الخارجية الأمريكية أو مراكز صنع القرار، أما عندما ذهب جي دي فانس إلى باكستان فبدأت المشاكل العالقة بين الطرفين في الحل، وأعتقد أن دي فانس أصبح في أوساط الكثير من الجمهوريين مرشحًا محتملًا لرئاسة أمريكا في الفترة القادمة، خصوصًا إذا نجح في فض الاشتباك في الملفات العالقة مع إيران خلال المفاوضات، لأنه كان من الرافضين للحرب، بشرط أن ينجح الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر القادم.
فالعامل الاقتصادي هو الذي يحرك ترامب والضغط الشعب الأمريكي هو الذي يحدد البوصلة، خاصة ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية، والحزب الديمقراطي يستغل ذلك في الضغط على إدارة ترامب من خلال المطالبة بعزله.
ودعونا نعترف بأنه على الجانب الآخر نجحت إيران في صناعة أوراق ضغط ومساومة متمثلة في مضيق هرمز، وهي الورقة التى طوعتها سياسيًّا وأحدثت بها نوعًا من الشلل في السوق العالمية وأدارت هذا الملف بنوع من الحكمة والخبرة بمجموعة من المفاوضين شهد لهم الجميع بالكفاءة، فضلًا عن التهديد بأسطول البعوض البحري الإيراني الذي كان مفاجأة للجميع في مضيق هرمز.
والحقيقة أن أخطر ما تمتلكه إيران من أوراق هو (المعرفة النووية) من خلال علمائها وجامعاتها التى تربي وتصنع هؤلاء العلماء.
وكما قلت وأكرر إنه عندما تجد إيران المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، وأنها على وشك تلقي ضربة عسكرية ضخمة، فإن المفاوض الإيراني يتحرك في اللحظة الأخيرة عندما يدرك أنه مجبر على (ركوب سيارة عدوه للوصول إلى هدفه)، والهدف هنا ليس بسيطًا، بل هو بقاء الدولة الإيرانية والنظام الإيراني والشعب الإيراني الذي تحمل الكثير.
وأعتقد أن قضية اليورانيوم الإيراني المخصب يمكن الالتفاف حولها إما من خلال نقله إلى باكستان التى تحظى بثقة الطرفين، أو حتى تقليل تخصيب اليورانيوم مع متابعة من وكالة الطاقة الذرية، التى ستكون اللاعب الرئيسي في الملف النووي الإيراني.
والحقيقة أن هذا الاتفاق سيصيب إسرائيل واليمين المتطرف بالصدمة والعجز السياسي والعسكري، ويكتب نهاية حلم ما يسمى بـ(إسرائيل الكبرى) ويؤكد لهم أنها ستظل دول صغيرة أمام التحالفات الشرق أوسطية الجديدة إذا تمت، خاصة بين كبار المنطقة مصر والسعودية وتركيا وباكستان، ليكون هذا هو (محور الخير) الجديد أمام المشروع التوسعي الصهيوني والماسوني الذي سقط في أول اختبار حقيقي.
فهل ستكون إيران جزءًا من هذا الحلف الجديد في الفترة المستقبلية إذا نجحت الدول الكبرى في تصفية الخلافات الإيرانية الخليجية باللقاءات المباشرة؟
والأهم الآن: أين مصر من هذه المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية؟ وأين الحكومة من إدارة الأزمة أو أي أزمة؟ وأين الخبراء والحكماء؟ فنحن نمتلك أساطين ورموزًا وأسماء كبيرة في المجال الدبلوماسي والاقتصادي والسياسي وفي الصناديق الدولية وفي المحافل الاقتصادية العالمية.. فلماذا لا نضع رؤية وسيناريوهات مسبقة للتعامل مع أي أزمات على نفس المستوى؟
أقترح أن يتم عقد مؤتمر اقتصادي ليس لخروج توصيات أو شعارات، ولكن لوضع روشتة علاج طويل الأجل أو حتى قصير الأجل كما يرى المتخصصون، شريطة أن يكون أساس هذه الروشتة أن نعتمد على أنفسنا بدلًا من أن نصبح رهينة لبعض القروض العربية أو الأجنبية التى تريد أن تحقق مواقف سياسية بعينها وتغضب عندما نرفض ذلك، لأن مصر أكبر من هذه الصغائر وهؤلاء الأقزام، بالفعل والواقع والتاريخ.
فيجب إعادة النظر فيما يجري حولنا من تحالفات وتغيرات مستقبلية، خاصة أن الخريطة تتغير بسرعة الصاروخ، مع ظهور لاعبين إقليميين جدد مثل باكستان التى استطاعت أن تكون لاعبًا رئيسًا في (مفاوضات الفرصة الضائعة) بين أمريكا وإيران، واستغلت هذا النجاح في التواجد عسكريًا في بعض دول الخليج العربي، خاصة أن من قاد الوساطة من الجانب الباكستاني هو المؤسسة العسكرية ورئيس الأركان عاصم منير الذي أصبح نجم المفاوضات، ونحن في مصر لدينا فعلًا عقليات عسكرية ومعلوماتية واستخباراتية يعترف بها الأعداء قبل الأصدقاء.
العالم سيتغير بعد هذا الاتفاق مع ظهور تحالفات جديدة.. فأين نحن ذاهبون؟
أعتقد أنه يجب إعادة التقييم بشكل موضوعي وعملي حتى لا تتكرر هذه السيناريوهات، ويجب أن نكون (لاعبين رئيسيين دائمين) في كل ملفات منطقتنا العربية والشرق الأوسط، لأن مصر كبيرة بجيشها وشعبها ومفكريها وعلمائها.
أختتم مقالي بالتأكيد على أن الموقف المصري في ملف لبنان يجب أن يكون حاسمًا ورادعًا، حتى لا يتكرر ما حدث في الملف السوري.. لأن أخطر ما تسفر عنه هذه الحرب أنها تؤسس لانتهاك الشعوب من قبل الأقوياء وتربح الأثرياء على حساب الفقراء.
اللهم قد بلغت
اللهم فاشهد.