النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

أستاذ علوم سياسية لـ”النهار”: فجوة الأهداف الأمريكية في حرب إيران تكشف مأزق القوة وحدودها

الدكتور أسعد العويوي، الأكاديمي الفلسطيني والباحث السياسي
عبدالرحمن كمال -

قال الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور أسعد العويوي إن المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، كشفت عن فجوة واضحة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية على الأرض. وأوضح أن واشنطن طرحت منذ بداية التصعيد أربعة أهداف رئيسية تمثلت في تغيير النظام الإيراني، وتدمير البرنامج النووي، والقضاء على الترسانة الصاروخية، وقطع الصلات مع الحلفاء الإقليميين.

وأضاف العويوي، في تصريحات لـ"النهار"، أن هذه الأهداف، مع مرور الوقت، بدت أقرب إلى طموحات نظرية منها إلى خطط قابلة للتنفيذ، في ظل غياب أدوات حقيقية قادرة على تحقيقها ضمن الواقع المعقد للمنطقة. وأشار إلى أن استمرار الحرب دون تحقيق اختراق حاسم يعكس حدود القوة العسكرية عندما تصطدم ببنية إقليمية متشابكة.

ولفت إلى أن هذا التباين بين الخطاب والنتيجة يعكس خللاً في تقدير الموقف منذ البداية، حيث جرى تضخيم القدرة على الحسم مقابل التقليل من قدرة الخصم على الصمود والتكيف.

خطاب التهديد المتكرر

وأوضح العويوي أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لم يخرج عن خطابه التقليدي، إذ واصل التأكيد على أن إيران تمثل تهديداً وجودياً، مع تكرار التحذيرات من اقترابها من امتلاك سلاح نووي. وأشار إلى أن هذا الخطاب تكرر على مدى سنوات، وغالباً ما ارتبط بتقديرات زمنية قصيرة لم تتحقق.

وأضاف أن التصريحات الأمريكية، خاصة بعد أحداث عام 2025، كانت تشير إلى أن البنية النووية الإيرانية تعرضت لأضرار تقلص قدرتها على تحقيق هذا الهدف في المدى القريب. واعتبر أن هذا التناقض بين التقديرات يعكس استخداماً سياسياً لملف التهديد النووي أكثر من كونه تقييماً استخباراتياً دقيقاً.

وأكد أن استمرار هذا الخطاب دون نتائج ملموسة يضعف مصداقيته، ويكشف عن أزمة في توظيفه كأداة تعبئة سياسية وعسكرية.

ارتباك الاستراتيجية الأمريكية

وأشار الباحث إلى أن التحول في الخطاب الأمريكي، عبر إضافة فكرة “تحرير الشعب الإيراني”، يعكس محاولة لإعادة صياغة الأهداف بعد تعثر تحقيقها. واعتبر أن هذا التحول لا يدل على وضوح في الرؤية، بل على ارتباك استراتيجي في إدارة الصراع.

وأضاف أن تغيير الأهداف خلال سير المواجهة يُعد مؤشراً على فشل المقاربة الأصلية، حيث يتم الانتقال من أهداف صلبة إلى شعارات سياسية فضفاضة لتبرير استمرار التصعيد. وأوضح أن هذا النمط تكرر في تجارب سابقة، ما يعكس أزمة بنيوية في إدارة الحروب.

ولفت إلى أن غياب الاتساق في الأهداف ينعكس مباشرة على الأداء الميداني، ويجعل من الصعب تحقيق نتائج حاسمة أو بناء مسار سياسي مستقر.

مفاجآت الميدان الإيراني

وأكد العويوي أن التطورات الميدانية أظهرت أن الحسابات الأمريكية لم تكن دقيقة، حيث لم تُحسم المعركة بسرعة كما كان متوقعاً، بل تصاعدت التوترات بشكل غير محسوب. وأشار إلى أن إيران نجحت في استخدام أوراق ضغط مؤثرة، أبرزها إغلاق مضيق هرمز أمام خصومها وطرح فكرة فرض رسوم على المرور.

وأوضح أن هذه الخطوات لم تشكل فقط ضغطاً عسكرياً، بل أحدثت تأثيراً اقتصادياً عالمياً، ما كشف عن امتلاك طهران أدوات ردع لم تُؤخذ بالحسبان. وأضاف أن هذا الواقع يعكس طبيعة الصراع غير المتكافئ، حيث يستطيع الطرف الأضعف نسبياً تعويض الفارق عبر أدوات غير تقليدية.

وشدد على أن هذه المفاجآت تعيد صياغة ميزان القوى، وتفرض على الأطراف إعادة تقييم حساباتها الاستراتيجية.

تناقض مسار التفاوض

وأوضح الباحث أن الدخول في مسار تفاوضي مباشر بين الولايات المتحدة وإيران بعد هذا التصعيد يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى المواجهة من الأساس. وأشار إلى أن هذا التحول يكشف عن إدراك متأخر لحدود الخيار العسكري.

وأضاف أن الجدل حول الجهات التي تمثل المصالح الأمريكية داخل المفاوضات، خاصة مع الحديث عن أدوار غير تقليدية لشخصيات مرتبطة بدوائر القرار في إسرائيل، يثير شكوكاً حول شفافية هذا المسار. واعتبر أن هذا التداخل يضعف الثقة في أي مخرجات محتملة.

وأكد أن غياب وضوح التمثيل والتباين في الأجندات يجعل من الصعب اعتبار المفاوضات خطوة حقيقية نحو التهدئة، بل قد تكون مجرد إدارة مؤقتة للأزمة.

أزمة إقليمية أوسع

وأشار العويوي إلى أن تداعيات الصراع لا تقتصر على أطرافه المباشرين، بل تمتد لتشمل الاقتصاد العالمي واستقرار المنطقة بأكملها. وأوضح أن التوتر في مضيق هرمز انعكس بشكل مباشر على أسواق الطاقة، ما زاد من حالة القلق الدولي.

وأضاف أن الدول العربية تجد نفسها في موقع معقد، حيث تضطر إلى إعادة تقييم تحالفاتها في ظل توازنات متغيرة وواقع إقليمي أكثر هشاشة. واعتبر أن هذا الوضع يضع المنطقة أمام مرحلة إعادة تشكيل قد تكون طويلة ومكلفة.

ولفت إلى أن استمرار التصعيد دون أفق واضح للحل يهدد بتوسيع نطاق الأزمة، ويزيد من احتمالات الانزلاق إلى مواجهات أوسع.

حاجة لمسار مختلف

وأكد الباحث أن الخروج من هذا المأزق يتطلب تبني مقاربة مختلفة تقوم على التهدئة الحقيقية بدلاً من إدارة الصراع. وشدد على أهمية إشراك قوى دولية كبرى في الوساطة لإعادة التوازن وخلق بيئة تفاوضية أكثر جدية.

وأضاف أن توفر إرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف يُعد شرطاً أساسياً لتجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة قد تكون عواقبها كارثية. وأشار إلى أن استمرار لغة التهديد يفرغ أي مسار سياسي من مضمونه.

واختتم العويوي بالتأكيد على أن ما يجري يمثل تذكيراً واضحاً بأن الحروب قد تبدأ بسهولة، لكن إنهاءها أكثر تعقيداً بكثير، وهو ما يضع صناع القرار أمام اختبار حقيقي لقدرتهم على إدارة الأزمات وليس فقط إشعالها.