مشروع لتقييم أهلية ترامب يهز واشنطن وسط تراجع شعبي وصراع مع الكونغرس

تشهد الساحة السياسية الأميركية عام 2026 حالة من التوتر المتصاعد حول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسط مؤشرات على تراجع شعبيته بشكل ملحوظ، إلى جانب تصاعد الخلافات داخل الكونغرس بشأن صلاحياته وقراراته الداخلية والخارجية.
ففي تطور سياسي لافت، كشف عضو الكونغرس الأمريكي عن ولاية ماريلاند، جيريمي راسكين، عن تقديم مشروع قانون جديد إلى مجلس النواب يهدف إلى تشكيل لجنة رسمية لتقييم أهلية ترامب للاستمرار في منصبه. ويستند المشروع إلى البند الرابع من التعديل الخامس والعشرين في الدستور الأمريكي، والذي يتيح نقل السلطة في حال ثبوت عدم قدرة الرئيس جسدياً أو عقلياً على أداء مهامه.
ويحظى المشروع بدعم نحو 50 نائباً من الحزب الديمقراطي، ويقترح إنشاء لجنة مختصة لدراسة كفاءة الرئيس وقدرته على ممارسة صلاحياته الدستورية. وبرر راسكين هذا التحرك بتراجع ثقة الرأي العام، مستنداً إلى سلسلة من التصريحات المثيرة للجدل المنسوبة لترامب، من بينها حديثه عن "تدمير حضارات"، وتجاوزات مزعومة لصلاحيات الكونغرس في ملفات الحرب بالشرق الأوسط، إلى جانب تصريحات اعتُبرت مسيئة للبابا فرانسيس ونشر محتوى أثار جدلاً واسعاً.
ورغم إحالة المشروع إلى اللجان القضائية ولجان القواعد في مجلس النواب، تشير التقديرات السياسية إلى صعوبة تمريره، خاصة أن تفعيل التعديل الخامس والعشرين لم يؤدِ سابقاً إلى عزل أي رئيس أمريكي، كما أن التجارب التاريخية، بما فيها أزمة 2021 بعد أحداث الكابيتول، أظهرت مدى التعقيد السياسي لهذا المسار في ظل الانقسام الحاد داخل واشنطن.
وفي موازاة ذلك، يراقب الكونغرس عن كثب قرارات ترامب المتعلقة بالسياسة الخارجية واستخدام القوة العسكرية، في ظل ما يُعرف بمهلة الـ60 يوماً التي ينص عليها قانون صلاحيات الحرب في الولايات المتحدة. هذه المهلة تعني أن الرئيس يمكنه، في حالات التدخل العسكري دون إعلان حرب رسمي من الكونغرس، الاستمرار في العمليات العسكرية لمدة تصل إلى 60 يوماً بشكل مؤقت، بهدف إتاحة فرصة للمؤسسة التشريعية لمراجعة القرار واتخاذ موقف نهائي. ومع اقتراب نهاية هذه الفترة، يصبح الكونغرس ملزماً إما بمنح تفويض رسمي لاستمرار العمليات العسكرية أو رفضها، وهو ما قد يؤدي إلى إنهاء التدخل وسحب القوات. ومع وصول المهلة إلى منتصفها تقريباً، بدأت أصوات داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري تطالب بمراجعة شاملة لتفويض استخدام القوة وتحديد اتجاه الإدارة بين التصعيد أو التهدئة.
السيناتور الجمهوري توم تيليس أشار إلى أن الكونغرس دخل اليوم الـ45 من المهلة، داعياً إلى بدء نقاش جدي حول مسار الإدارة، سواء نحو التصعيد أو التهدئة. كما حذرت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز من أن تجاوز سقف الـ60 يوماً أو نشر قوات برية قد يستدعي موافقة الكونغرس، مؤكدة أنها لن تدعم أي عمل عسكري دون ذلك.
وفي خلفية المشهد، يتحرك ترامب سياسياً لتقليل التوتر مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث يعقد اجتماعات مع قيادات الحزب الجمهوري، من بينهم رئيس مجلس النواب مايك جونسون، بهدف تأمين موقف موحد قبل الانتخابات النصفية. كما يحاول احتواء المخاوف المتزايدة داخل قاعدته الشعبية، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتأثير أي تصعيد عسكري محتمل على الاقتصاد الداخلي.
وفي محاولة لطمأنة الرأي العام، تحدث ترامب عن أن أسعار الطاقة قد تنخفض بشكل كبير في حال انتهاء الحرب، مشيراً إلى إمكانية تراجع أسعار البنزين قبل الانتخابات، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة مباشرة لكسب دعم الناخبين المستقلين.
أما على الصعيد المالي، فتتفاقم الأزمة المتعلقة بتمويل العمليات العسكرية، حيث أقر مدير مكتب الإدارة والميزانية في البيت الأبيض راسل فوت بعدم القدرة على تحديد التكلفة الدقيقة للحرب مع إيران، في الوقت الذي يدافع فيه عن طلب ميزانية دفاعية ضخمة تبلغ 1.5 تريليون دولار.
هذا الغموض المالي أثار انتقادات حادة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، خاصة مع استمرار الجدل حول حرب بدأت في 28 فبراير بالتعاون مع إسرائيل، وما تبعها من رفض الكونغرس تمويل إضافي بقيمة 200 مليار دولار في الشهر الماضي.
وتتضمن خطة الميزانية المقترحة لعام 2027 زيادة ضخمة في الإنفاق العسكري بنحو 500 مليار دولار، مقابل خفض 10% من البرامج غير الدفاعية، ما يعكس تحولاً واضحاً في أولويات الإدارة. إلا أن مكتب الميزانية في الكونغرس حذر من أن هذه السياسات قد ترفع العجز بنحو 4.7 تريليون دولار خلال عقد من الزمن، إلى جانب تأثيرات إضافية مرتبطة بسياسات الهجرة.
وفي ظل هذا الجدل، يواجه مسؤولو الإدارة انتقادات حادة بشأن مزاعم تتعلق بسوء الإدارة والشفافية داخل وزارة الدفاع، حيث دعت أصوات ديمقراطية، من بينها النائبة براميلا جايابال، إلى تحقيقات أوسع في ملفات الإنفاق العسكري، بينما طالب نواب جمهوريون أيضاً بإجراء تدقيق مالي شامل قبل الموافقة على أي ميزانيات جديدة.
وتبقى مشاريع ترامب الاقتصادية، وعلى رأسها ما يُعرف إعلامياً بـ"مشروع القانون الكبير الجميل"، محل جدل واسع داخل الكونغرس، بين من يرى أنه سيحقق وفورات ضخمة، وبين تقديرات مستقلة تشير إلى أنه قد يزيد العجز المالي بشكل كبير خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق أكد الخبير المصري في الشؤون السياسية والاستراتيجية الدكتور محمد عز العرب أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدير السياسة الخارجية الأمريكية بعقلية رجل أعمال تعتمد على الصفقات السريعة والمكاسب المباشرة، وليس بعقلية الدولة المؤسسية القائمة على التخطيط طويل المدى والتوازنات الاستراتيجية.
وأوضح عز العرب أن هذا النهج ينعكس بشكل مباشر على طريقة إدارة الملفات الدولية الحساسة، حيث تميل قرارات البيت الأبيض في عهد ترامب إلى التسرع والتبدل وفقًا للضغط السياسي والإعلامي الداخلي، وهو ما يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار في مواقف واشنطن الخارجية.
وأضاف أن هذا الأسلوب في الحكم يساهم في تعميق الانقسام داخل المؤسسات الأمريكية نفسها، خصوصًا بين البيت الأبيض والكونغرس، حيث تتصاعد الخلافات حول حدود الصلاحيات الدستورية للرئيس، خاصة في الملفات المرتبطة باستخدام القوة العسكرية وإدارة الأزمات الدولية.
وأشار إلى أن هذا التداخل بين السياسة الداخلية والخارجية يجعل قرارات الإدارة الأمريكية أكثر ارتباطًا بـحسابات الرأي العام والانتخابات، بدلًا من كونها قرارات استراتيجية طويلة الأجل، وهو ما يضعف من صورة الولايات المتحدة كقوة مستقرة في إدارة النظام الدولي.
وأكد عز العرب أن استمرار هذا النمط من الإدارة قد يؤدي إلى زيادة الضغوط السياسية والقانونية على الرئيس، خاصة في ظل تصاعد الجدل داخل الكونغرس حول صلاحياته وحدود تحركاته العسكرية والاقتصادية.
ومع استمرار الانقسام السياسي الحاد، وتداخل ملفات الحرب والاقتصاد والانتخابات، تبدو إدارة ترامب أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الضغوط الداخلية مع تحديات خارجية قد تعيد تشكيل المشهد السياسي الأمريكي بالكامل خلال الفترة المقبلة.

