النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

السفير عاطف سالم لـ”النهار”: انعدام الثقة وتضارب مراكز القرار أفشلت المفاوضات الإيرانية الأمريكية

السفير عاطف سالم يكشف لـ”النهار” أسباب فشل المفاوضات الإيرانية الأمريكية وأبرز نقاط الخلاف

السفير عاطف سالم مع محررة النهار
حوار هالة عبد الهادي -

تشهد المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران حالة من التعثر والفشل في التوصل إلى اتفاق شامل، في ظل تباين حاد في المواقف وتعقيدات سياسية وأمنية واقتصادية متزايدة. وفي هذا السياق، تناول السفير المصري السابق في تل أبيب عاطف سالم في حوار خاص لـ"النهار" أبرز أسباب فشل هذه المفاوضات،وأبرز نقاط الخلاف ودور الوساطات الإقليمية في محاولات إعادة إحيائها.

نص الحوار:

ما هي أبرز العوائق التي ساهمت في فشل المفاوضات الإيرانية الأمريكية؟

تُعد المفاوضات مسألة شديدة الصعوبة والتعقيد لعدة أسباب: أولًا: صعوبة الموضوعات التي يجري التفاوض بشأنها، ثانيًا: انعدام الثقة بين الجانبين، الإيراني والأمريكي،و ثالثًا: مسألة تحديد من سيتخذ القرار النهائي، لا سيما في الجانب الإيراني؛ هل هو رئيس البرلمان، أم مجموعة من المسؤولين عن الدولة، أم جهة أخرى؟ ومن الذي سيتخذ القرار النهائي؟ خاصة الإيراني حيث أن الوفد الموجود يتكون من 70 فردًا،ممثلاً كل الدولة والنقطة الأخيرة تتعلق بأمن صانع القرار؛ أي حتى إذا عادوا إلى المرشد الأعلى، فهل ستمنح إسرائيل الفرصة لاتخاذ مثل هذا القرار

إذًا، نحن نتحدث أولًا عن صعوبة اتخاذ القرار، وبالتالي فإن المفاوضات القائمة يشوبها انعدام الثقة.

ما هي أبرز نقاط الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران؟

الولايات المتحدة الأمريكية اقترحت 15 بندًا، في حين قدمت إيران 10 بنود، وتوجد فجوة بين الجانبين في أربع نقاط رئيسية: الخلاف الأول المركزي، يتمثل في مسألة 440 أو 460 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب الموجود على الأراضي الإيرانية، حيث يرفض الإيرانيون إخراج كامل المخزون من أراضيهم أو فرض قيود على عملية التخصيب مستقبلًا، ويضعون شروطًا صعبة في هذا الشأن.

البند الثاني يتعلق بمضيق هرمز، حيث يطالب الإيرانيون بسيطرة كاملة على المضيق، مع تحصيل رسوم مالية. وهم يرون أن هذه الرسوم تأتي كتعويضات عما حدث داخل إيران من عمليات تدمير لحقت بالبنية المدنية والعسكرية داخل إيران من أضرار، بهدف تسوية ملف التعويضات. إذ كانوا قد طالبوا الولايات المتحدة الأمريكية بتعويض قدره 20 مليار دولار، ثم أعادوا احتساب الأمر على أساس تحصيل 5 دولارات عن كل برميل نفط يمر، بواقع 20 ألف برميل يوميًا، وفق حسابات معينة.

النقطة الثالثة تتعلق بالعقوبات، ومرتبطة برفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران، بالإضافة إلى ما يُعرف بآلية "سناب باك" وتطالب إيران برفع هذه الآلية أيضًا، حتى لا تبقى تحت ضغط، وكذلك لاستعادة نحو 27 مليار دولار من الأرصدة المحتجزة لديها في عدد من الدول؛ إذ توجد هذه الأموال موزعة في دول مثل العراق وقطر وسنغافورة والولايات المتحدة وألمانيا، نتيجة للعقوبات. وتطالب إيران باستعادة هذا الرصيد.

والنقطة الرابعة تتعلق بالضمانات التي تطالب بها إيران، حيث تشير إلى ضرورة وجود ضمانات لعدم العودة إلى الحرب مرة أخرى، أو أن يكون الاتفاق نهائيًا، أو أن تكون هناك آلية رقابة على الاتفاق. وهنا يُطرح التساؤل: من سيتولى هذه الرقابة؟ هل هي الأمم المتحدة أم جهة أخرى؟ وبالتالي فإن أي اتفاق يُتوصل إليه،للتهدئة أو اتفاق نهائي، يحتاج إلى آلية واضحة للسيطرة والرقابة، وهو ما يمثل إشكالية قائمة في المفاوضات.

وهناك نقطة مهمة أيضاً وهي مسألة حزب الله، حيث كان من المفترض أن يشمل وقف إطلاق النار الحزب، وذلك باعتراف إيران وباكستان بصفتها وسيطًا. وأبدت الولايات المتحدة الأمريكية موافقة ضمنية، غير أن الجانب الإسرائيلي رفض ذلك، وأكدا أن الاتفاق لا يشمل حزب الله، بل وجرى إثبات ذلك عمليًا من خلال تصعيد عسكري عنيف في لبنان في اليوم التالي مباشرة. إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هدأ من حدة الموقف لاحقًا، وطلب وقف التصعيد على بيروت، مع قصر العمليات على الجنوب. وهذا الملف معقد وصعب، ويسبب مشكلة داخل لبنان،وانقسام داخلي.والهدف الأساسي لإسرائيل هو القضاء على حزب الله ونزع سلاحه، وتطبيق ما تم تنفيذه ضد حماس على حزب الله.

كما يوجد خلافات أخرى داخلية، مثل مطالب الولايات المتحدة الأمريكية، وما إذا كانت هناك تسويات داخلية غير معلنة، أو رغبة أمريكية في الاستثمار في قطاع النفط داخل إيران، أو الحصول على تعهدات باستيراد منتجات مدنية منها. وقد ظهرت بعض التسريبات التي تتحدث عن أرقام كبيرة، لكنها تظل غير مؤكدة بشكل كامل.

ويبقى الخلاف الجوهري والأساسي هو منع إيران من تطوير سلاح نووي، وكذلك الصواريخ الباليستية بعيدة المدى. غير أن ملف مضيق هرمز طغى على بقية الملفات، خاصة مع تأثيره الواسع على العالم بأسره والاقتصاد العالمي، من حيث الاقتصاد والتجارة والطاقة والغاز والأسمدة،

هل يمكن أن تنجح الوساطات الإقليمية سواء باكستان أو مصر في إعادة المفاوضات مرة أخري؟

يمكن القول إن دور باكستان كان مهمًا في الوساطة، إلى جانب دور مصر الغير معلن،وعدد من الدول الأخري غير أن هذه الوساطة لم تصل إلى نتائج، بسبب اختلاف وجهات نظر الطرفين، ووجود تباين في تقييم مسار المفاوضات. ومع ذلك، يبقى استمرار الحوار هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار. وأي مفاوضات مرشحة لأن تكون عملية طويلة وممتدة، تتخللها جولات متقطعة من الإختلافات ثم الوصول إلى تهدئة دائمة. حيث أن سقف المطالب في المراحل الأولى يُعد تكتيكاً تفاوضياً معتاداً، حيث تبدو الشروط الأولية غير مقبولة للطرف الآخر قبل أن يحدث تنازلات فيما بعد.

بخصوص ملف لبنان : ما أسباب فصل إسرائيل بين الملف الإيراني والملف اللبناني؟أي ما لغز فصل الجبهات؟

موضوع لبنان هذا قصة مختلفة تمامًا. أولًا، قامت إسرائيل بالفصل بين الملفين: الملف الإيراني من جهة، والملف اللبناني من جهة أخرى، لسبب رئيسي. إذا تذكرنا ما حدث بعد "طوفان الأقصى" وما سُمي لاحقًا بوحدة الساحات، ودخول حزب الله إلى جانب حماس على الخط، فإن إيران لم تتدخل، وكان ذلك سبب مشكلة كبيرة جدًا داخل قيادات حزب الله. فقد كانوا مستائين جدًا من التصرف الإيراني، وكانوا يرون أن عدم تدخلها يعني أنها لم تساند ولم تتدخل، وبالتالي—إذا أردنا التعبير بشكل مباشر—كأنها تخلت عنهم. لذلك، من غير المتوقع أن تكرر إيران هذه التجربة مرة أخرى؛ فهي تحاول الآن التدخل وربط الملفين ببعضهما، بينما تدرك إسرائيل هذه المسألة، فتحاول في الوقت نفسه الضغط من أجل إبقاء الملفين منفصلين، وبالتالي إحداث انقسام بين حزب الله وإيران.

ما تأثير حزب الله على الداخل الإسرائيلي ومستوطني الشمال؟

حزب الله، يُعد الجهة الميليشياوية الوحيدة التي نجحت في إنشاء منطقة عازلة داخل إسرائيل، ما أدى إلى نزوح سكان المستوطنات في شمال إسرائيل إلى الوسط والجنوب، حيث تجاوز عددهم 70 ألف شخص. وقد خلق ذلك فجوة كبيرة جدًا بين الحكومة أو الإدارة المحلية الإسرائيلية وبين السكان، إلى درجة أنه حتى اليوم لم يعد إلى الشمال سوى 40% فقط من السكان، أي إن 60% يرفضون العودة إلى تلك المنطقة، وذلك بسبب خوفهم وعدم ثقتهم في الحكومة من ناحية، وخوفهم من صواريخ حزب الله من ناحية أخرى.

هل أخطأت إسرائيل في تقدير قدرات حزب الله العسكرية والسياسية؟

نعم إسرائيل أساءت التقدير، إذ رأت أن حزب الله أصبح مردوعًا وضعيفًا جدًا، وأن قياداته انتهت، ولم يعد لديه القدرة على جمع الأسلحة، وأن اتصالاته توقفت تقريبًا، وغير ذلك، إلا أن هذا التقييم لم يكن صحيحًا، إذ فوجئوا لاحقًا بأن حزب الله لا يزال يمتلك إمكانيات وأصبح مؤثرًا.

أما النقطة الأساسية هنا أيضًا، فهي أن عدد القتلى والجرحى من الجنود الإسرائيليين في الشمال قد ازداد بشكل كبير، وهو ما تسبب في مشكلة داخل إسرائيل، لدرجة أن بعض أسر الجنود تواصلت مع الحكومة ومع نتنياهو، مطالبة بإرسال قوات إضافية، لأن أبناءهم يتعرضون للخطر في الشمال.

وبالتالي، فإن هذا الملف معقد وصعب، ويسبب مشكلة داخل لبنان، كما يسبب أيضًا مشكلة داخلية تتمثل في انقسام داخلي. وأعتقد أن اجتماع يوم الثلاثاء لن يسفر عن نتائج، لأن الهدف الأساسي لإسرائيل هو القضاء على حزب الله ونزع سلاحه، وبعد ذلك يمكن أن يتحول إلى حزب سياسي أو أي شكل آخر، لكنهم يريدون تطبيق ما تم تنفيذه ضد حماس على حزب الله.