صلاح حليمة: لا واشنطن انتصرت ولا طهران انهزمت.. والتسوية في إسلام آباد طويلة ومعقدة
السفير صلاح حليمة ل”النهار”: مفاوضات إسلام آباد “ضوء في نهاية النفق” رغم اتساع فجوة الخلافات

في ظل تعثر مسار مفاوضات إسلام آباد واستمرار حالة الجمود دون التوصل إلى اتفاق حاسم بين الأطراف المعنية، تتزايد التقديرات بشأن مستقبل التسوية المحتملة، وسط تساؤلات حول قدرة هذه المفاوضات على الانتقال من مرحلة جس النبض وتبادل المواقف إلى بلورة اتفاق مستدام. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه التطورات الميدانية والسياسية تصعيدًا متوازيًا، يعكس استمرار سياسة "الضغط المتبادل" بين الأطراف، بما يعقد المشهد التفاوضي ويضعه أمام اختبارات حقيقية. كما تتداخل الحسابات السياسية والأمنية والاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي، في ظل تحركات دبلوماسية مكثفة للحفاظ على المسار التفاوضي ومنع انهياره، باعتباره أحد أبرز المسارات المطروحة لاحتواء التصعيد وإعادة ضبط التوازنات في المنطقة.
وفي هذا السياق، قال السفير صلاح حليمة، مساعد وزير الخارجية الأسبق، في تصريح خاص لـ"النهار"، إن المفاوضات لا تزال تمثل "ضوءًا في نهاية النفق"، غير أن التطورات الأخيرة تعكس اتساع فجوة الخلافات بين الأطراف، رغم استمرار التصريحات السياسية التي تؤكد وجود رغبة مبدئية في الوصول إلى تسوية أو هدنة دائمة، وهو ما يشير إلى فجوة بين الخطاب السياسي والواقع التفاوضي الفعلي.
وأضاف أن المشهد الحالي بات أكثر تعقيدًا في ظل استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية، موضحًا أن "لا الولايات المتحدة انتصرت ولا إيران انهزمت"، وأن حالة الاستنزاف المتبادل أصبحت السمة الغالبة، وهو ما أفرز تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة النطاق على الاقتصاد العالمي، لا سيما في منطقة الخليج. وأشار إلى أن التوترات المستمرة تؤثر بشكل مباشر على أمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، والأمن الغذائي والمائي، فضلًا عن اضطراب حركة الملاحة الدولية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب انعكاسات داخلية متزايدة على الاقتصاد الأمريكي نفسه في ظل الضغوط السياسية والاقتصادية المتصاعدة.
وأوضح حليمة أن مسار المفاوضات مرشح لأن يكون طويلًا ومركبًا، يتخلله تقدم بطيء يتبعه تعثر، كما يحدث حاليًا، مشيرًا إلى أن المؤشرات لا تزال ترجح إمكانية الوصول إلى تهدئة تدريجية قد تتطور إلى اتفاق أوسع في نهاية المطاف، لكن ذلك يتطلب توافر إرادة سياسية حقيقية وضمانات متبادلة. وشدد على أهمية الدور الإقليمي والدولي، خاصة من جانب دول الخليج ومصر والأردن، إلى جانب الصين وروسيا، في دعم استمرارية المفاوضات وتقريب وجهات النظر، في ظل تراجع الثقة بين الأطراف الرئيسية.
كما أكد أن التحركات الدبلوماسية الجارية قد تمهد لمسار تفاوضي تدريجي يقوم على خطوات بناء ثقة محدودة، خاصة في ظل الحديث المتزايد عن صيغ مرحلية بدلًا من اتفاق شامل دفعة واحدة. وأوضح أن نقطة الانطلاق المرجحة لا تزال تتمحور حول ملف مضيق هرمز، باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا على الاقتصاد العالمي، من خلال ترتيبات محتملة لفتح وتأمين الممر الملاحي مقابل حوافز اقتصادية، تشمل تخفيفًا تدريجيًا للعقوبات والإفراج عن الأصول، مع طرح أفكار لإدارة مشتركة للمضيق بمشاركة إيرانية–عُمانية وفقًا لقواعد القانون الدولي، وربما اعتماد آليات رسوم تشغيل يتم تقاسمها، وهو ما يعكس تحوّلًا نحو مقاربات اقتصادية-أمنية مركبة في إدارة الأزمة.
وأضاف أن الملف النووي سيظل أحد أكثر القضايا تعقيدًا في المراحل اللاحقة من التفاوض، خاصة فيما يتعلق بمستويات تخصيب اليورانيوم وآليات الرقابة، وهو ما يمثل نقطة خلاف جوهرية حتى الآن. وأشار إلى وجود اتجاه نحو إعادة إحياء مقاربات تفاوضية مرنة تسمح بالاعتراف بحق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، مقابل نظام رقابي صارم ومتدرج بإشراف دولي، بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في حين قد يتم التعامل مع ملف الصواريخ ضمن إطار مرحلي يركز على تقليص مدياتها وحصرها في نطاق دفاعي، بدلًا من طرحه كشرط مسبق معرقل للمفاوضات.
وفي سياق موازٍ، أشار حليمة إلى أن الموقف الإسرائيلي لا يزال يمثل أحد أبرز عوامل التعقيد، في ظل استمرار التحركات العسكرية والتصعيد الإقليمي، وهو ما ينعكس سلبًا على فرص التهدئة. ولفت إلى أن إسرائيل تسعى، وفق تقديره، إلى التأثير على مسار المفاوضات بما يخدم اعتبارات داخلية وإقليمية، خاصة في ظل حسابات تتعلق بمستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ورؤيته لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. وأكد أن هذا العامل يفرض تحديًا إضافيًا أمام المسار التفاوضي، ما يستدعي — في هذه المرحلة — الفصل النسبي بين بعض الملفات مثل الساحة اللبنانية وحزب الله، لتجنب تحميل المفاوضات بأعباء إضافية قد تعرقل تقدمها.
واختتم بالإشارة إلى أن مآلات هذا المسار قد تفتح الباب تدريجيًا أمام إعادة تشكيل نظام أمن إقليمي جديد في الشرق الأوسط، قائم على توازنات أكثر مرونة وتعددية، مع التأكيد على ضرورة حماية الأمن القومي العربي وتعزيزه من خلال أطر جماعية، وفي مقدمتها جامعة الدول العربية. كما أشار إلى إمكانية تطوير منظومة أمنية إقليمية أوسع تضم دول الجوار، مع ربط أي انخراط إسرائيلي فيها بتحقيق تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية، داعيًا في الوقت نفسه إلى توسيع نطاق التفاوض ليشمل قضايا الأمن الإقليمي، وعلى رأسها الحد من التسلح النووي، بما يمهد للوصول إلى منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.

