ماهر مقلد يكتب: عن الحرب

أخطر ما فى الحروب ليس البداية وإنما النهاية، تبدأ الحرب بقرار، لكن من يملك توقيت الإغلاق، هذا بالضبط هو الوضع الحالى فى الحرب الدائرة بين إيران وأمريكا وإسرائيل، بدأت دون أن يعرف أحد الزمن ولا الموعد الذى معه تأتى النهاية. هذه هى طبيعة الحروب. فى العصر الحديث ووسط كم التقارير والمعلومات ومقاطع الفيديو المصورة، لا تزال المعلومات الصحيحة عن إحداثيات الحرب غير دقيقة. هذا لا ينفى مشاهد الدمار وأعداد الضحايا والمصابين لكن الذى لا دليل مؤكد عليه هل ينجح طرف فى كتابة النهاية كما يخطط؟.
الأمر المؤسف الذى يثير الأسى أن هذه الحرب كارثية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، والمأساة الكبرى فيها تأتى من أعداد الضحايا الذين فقدوا حياتهم بسببها، دون ذنب أو اختيار، بعيدا عن حجم الخسائر المادية والاقتصادية التى تتعرض لها الدول المتحاربة ويمر بها العالم بأسره.
الغموض الكبير فى المعلومات عن نتائج الحرب فى حد ذاته يجعل من حجم التوقعات عن نهايتها أو استمرارها أمرًا غير محسوم، الأمل يزيد قبل كل خطاب للرئيس الأمريكى، وأثناء الخطاب وليس بعد نهايته تعود الحيرة من جديد بسبب الضبابية التى تصدر عن عبارات الخطاب والسقف الزمنى والمهل وغيرها.
كل طرف يصدر بيانات تختلف عن بيانات الطرف الآخر، هذا طبيعى فى ظل الحروب النفسية ورفع المعنويات، لكن المثير فى الأمر هو أن التصريحات التى تصدر عن قيادات فى هذه الدول تحمل قدرا كبيرا من التناقض.
داخل إسرائيل تعتيم إعلامى كبير وفى إيران مصادر المعلومات محدودة أما عن أمريكا فهناك مبالغة وتهويل وظاهرة جديدة فى الحروب الكارثية أن يظهر كل يوم رئيس أكبر دولة فى العالم ويتحدث عن الحرب بهذا القدر من المبالغة أو عدم الوضوح.
أخطاء الكبار يدفعها الصغار، وأعتقد أن الأجيال الجديدة هى التى تتحمل ضريبة هذا التمادى فى استخدام القوة لتغيير ملامح المشهد العالمى.
الأسئلة فى الحرب صعبة جدا، وتحتاج إلى رصد ومتابعة، بعد أن اختلطت فى هذه الحرب قواعد الاشتباك وأصبحت واقعا على الأرض بعد أن خرجت من دائرة التوقعات إلى الفعل والممارسة.
الصدمة التى أوجدتها هذه الحرب لن يختفي أثرها سريعًا وستبقى عالقة تمثل كابوسًا مخيفًا من جنوح العقل البشرى والاستسلام إلى منحى الدمار دون شفقة.
ومع هذا كله نحن فى عالم مادى لكن فوق كل الماديات قدرة خالق قادر على أن يغير ولا يتغير.

