”تجار الحروب” في أمريكا.. كيف تتحول الدماء إلى أرباح وتُصاغ قرارات الحرب وفقاً للمصالح؟

في قلب كل حرب تُخاض باسم الأمن القومي أو الدفاع عن المصالح الاستراتيجية، يقف لاعبون في الظل لا يرتدون الزي العسكري، لكنهم يحققون أرباحًا ضخمة. هؤلاء هم "تجار الحرب" في الولايات المتحدة، شبكة من السياسيين ورجال الأعمال والمستثمرين الذين يحولون الصراع إلى فرصة استثمارية، حيث تتحول الدماء إلى أرقام في المحافظ المالية. فبينما تُدار الحروب في العلن بشعارات الأمن، تُدار في الخفاء بحسابات الربح والخسارة، ليبقى السؤال: من يدفع الثمن ومن يحصد المكاسب؟
تجار الحرب هم أسماء بارزة في الكونغرس وعلى رأس شركات كبرى، يتحركون بين السياسة والاقتصاد بمرونة، يستثمرون قبل اندلاع الحروب وأثناءها وحتى بعدها.
تظهر هذه الظاهرة بوضوح في الدائرة المحيطة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث يبرز صهره جاريد كوشنر كنموذج لتداخل السياسة بالاستثمار. فقد قاد ملفات حساسة مثل "صفقة القرن"، ثم انتقل إلى تأسيس صندوق استثماري ضخم مدعوم بمليارات الدولارات من صناديق سيادية خليجية، موجهًا استثماراته إلى قطاعات البنية التحتية والطاقة في الشرق الأوسط. ومع تصاعد التوترات في المنطقة، ترتفع قيمة هذه الاستثمارات بشكل غير مباشر، ما يعزز فكرة تحول النفوذ السياسي إلى مكاسب اقتصادية.
ولا يقتصر الأمر على الشخصيات المباشرة، إذ يُتداول اسم بارون ترامب في سياق "وراثة النفوذ" داخل عائلات الحكم، بما يعكس امتداد شبكة المصالح عبر الأجيال، خاصة في قطاعات العقارات والطاقة والدفاع.
الأخطر يتمثل في شبهات فساد داخل وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) حيث أُثيرت اتهامات بقيام مسؤولين بشراء أسهم في شركات سلاح قبل اندلاع العمليات العسكرية، مستفيدين من معلومات داخلية. ويعكس ذلك نموذجًا واضحًا لاستغلال النفوذ، حيث تتحول المعلومات السيادية إلى أداة لتحقيق أرباح شخصية، وفي مقدمتهم وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث.
وأحد أبرز الأسماء المرتبطة بالمشهد هو لويد أوستن عضوًا في مجلس إدارة شركة رايثيون تكنولوجيز إحدى أكبر شركات السلاح في العالم قبل توليه وزارة الدفاع . هذا الانتقال من عضو في شركة دفاعية إلى قيادة البنتاجون يجسد ظاهرة "الباب الدوار"، حيث تتقاطع المصالح بين من يقرر الحرب ومن يستفيد من عقودها. فكان لدية معلومات سابقة ومع تصاعد الضربات العسكرية وزيادة الطلب على أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ، أصبحت شركة "رايثيون" في صدارة المستفيدين، بعقود بمليارات الدولارات. .ومازال مستغلاً لدوائر معرفته لصالح أرباحة الشخصية.
ويتكرر نفس النمط داخل الكونغرس. النائبة مارجوري تايلور جرين كانت قد استثمرت سابقًا في شركات دفاعية، في وقت كانت تناقش فيه سياسات عسكرية. ورغم أن هذه الاستثمارات قد تكون قانونية، إلا أن توقيتها خلال فترات التوتر يوضح استغلال "معرفة الاتجاه" السياسي قبل أن يتحول إلى قرار رسمي.
كما تتكرر الصورة مع دان كرينشو، وهو نائب جمهوري وعضو في لجان تتعلق بالأمن القومي، حيث يمتلك استثمارات في قطاعات الطاقة والدفاع. ومواقفه المؤيدة لتوسيع الدور العسكري الأمريكي تتزامن مع قطاعات خاصة به تستفيد مباشرة من هذا التوسع.
كذلك مارك وارنر، نائب ديمقراطي وعضو في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، من أغنى السياسيين الأمريكيين، ويمتلك محفظة استثمارية واسعة تشمل قطاعات تتأثر بالحروب والتوترات الدولية.
الخيط المشترك بين هذه الأسماء هو موقعهم داخل شبكة القرار،ما يمنحهم ميزة الوصول إلى معلومات مبكرة حول اتجاهات السياسات والتصعيدات المحتملة. هذه المعرفة، الناتجة عن مناصب رسمية داخل الحكومة أو عضوية في لجان حساسة أو علاقات وثيقة بدوائر صنع القرار، تتيح لهم التحرك الاستثماري في توقيتات دقيقة، خاصة في قطاعات السلاح والطاقة، أو تجاه شركات تستفيد تلقائيًا من زيادة الإنفاق العسكري والتوترات الجيوسياسية، وبالتالي تمثل هذه المعرفة المبكرة عاملًا فارقًا في تعظيم الأرباح و تقليل الخسائر، ما يضع هذه الحالات في دائرة الجدل الدائم حول تجارة الحرب واستغلال النفوذ في هذه الأوقات.

وفي هذا السياق يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور وليد جاب الله، أن الاقتصاد العالمي يمر بدورات تصحيح متكررة منذ الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي وحتى اليوم، موضحًا أن الحروب تُعد أحد مظاهر هذه الدورات. وأشار إلى أن الحرب تسهم في خلق رواج اقتصادي ملحوظ حول العالم، حيث تؤدي إلى زيادة الطلب والإنتاج في العديد ن القطاعات. فيمر العالم بدورات تصحيح لرأس المال كل فترة، من خلال الحرب التي تعد جزء من التصحيح، مؤكداً أن"الحرب جزء من الاقتصاد"
وأضاف جاب الله أن هذه الحرب قد تكون نتيجة صراعات طبيعية أو متشابكة المصالح، بدفع من كيانات، أو بدفع أموال أو حتى مدفوعة بعوامل مختلفة، لأن الحرب معناها تشغيل كبير لشركات السلاح والصناعات الدفاعية إلي جانب الصناعات الدوائية في أوقات الأزمات الصحية ،لكنها في النهاية تمثل عنصرًا يعيد تحريك الاقتصاد العالمي عبر تشغيل قطاعات بعينها

من جانبه يؤكد خبير العلاقات الدولية دكتور محمد اليمني في تحليل خاص ل"النهار" أنه في أوقات الحرب، تصبح المعلومات سلعة استراتيجية ذات قيمة عالية،وأن القرب من دوائر صنع القرار يمنح بعض الشخصيات أفضلية معلوماتية يمكن أن تنعكس على قراراتهم الاستثمارية، خصوصًا في القطاعات المتأثرة مباشرة بالنزاعات مثل الدفاع والطاقة والتكنولوجيا الحيوية المرتبطة بالأمن القومي.
كما يشير إلي أن الشخصيات المقربة من مراكز القرار قد تمتلك معرفة مبكرة حول:التصعيد العسكري أو التهدئة ، المسارات الدبلوماسية والتحالفات الدولية، مواعيد العقوبات الاقتصادية والصفقات الدفاعية، هذه المعرفة تمنحهم القدرة على تحريك محافظهم الاستثمارية قبل الأسواق، ما يخلق ميزة تنافسية غير متاحة للفاعلين الآخرين في السوق. ومن الناحية الاقتصادية، يُعرف هذا بـ "تفوق المعلومات" وهو أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية والسياسية في زمن الأزمات.
ويحذر اليمني من أن تجربة ترامب تعكس تداخلًا واضحًا بين السلطة والمصالح الاقتصادية، خصوصًا في حالة جاريد كوشنر، ما يثير تساؤلات حول تضارب المصالح وحدود استخدام النفوذ السياسي لتحقيق أهداف مالية، فالقرب من السلطة قد يتحول إلى فرصة للاستفادة من التصعيدات الجيوسياسية، سواء عبر دعم قرارات معينة أو التحرك الاستثماري المبكر، مؤكداً أن هذا النمط يُعرف بـ"اقتصاد الحرب العائلي"، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية مع القرارات السياسية. وإذا تم استغلال هذا القرب من السلطة لتحقيق مكاسب شخصية، فقد يؤدي ذلك إلى تشويه القرار السياسي لصالح الأفراد أو العائلة بدلًا من المصلحة الوطنية ، وإطالة أمد النزاعات لأنه قد يوفر فرص ربحية، وتآكل الثقة في مؤسسات الدولة، بالإضافة إلي إمكانية تأثير خارجي من خلال استثمارات مرتبطة بأطراف دولية أو تمويل خارجي.
ويحذر اليمني من أن هذه المخاطر تظهر الحاجة الماسة لآليات شفافية ورقابة قوية لضمان أن تكون قرارات الحرب والسياسة الخارجية موجهة بالمصلحة العامة وليس بالربح الشخصي.
ويظل التحدي الأكبر هو وضع ضوابط صارمة تمنع تضارب المصالح، وتضمن أن تبقى قرارات الحرب والسلام خاضعة للمصلحة العامة، لا للمكاسب الفردية، في عالم تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد بشكل غير مسبوق.

