النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

ماذا تقول المشاهد في الأشواط الأخيرة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؟

الحرب
كريم عزيز -

قدم الدكتور محمد محسن أبو النور، الخبير في الشئون الإيرانية، تحليلا بشأن الموقف الراهن في الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، موضحاً أن التحليل الحقيقي للموقف الراهن يبدأ من تزامن ثلاثة مسارات متوازية، وهي التصعيد العسكري الأمريكي المحتمل، والحراك الدبلوماسي غير مباشر، والخطاب السياسي الأمريكي الذي يتصف بالبذاءة والتناقض، ولعل هذا التزامن في حد ذاته ليس عشوائيا، ولكنه يعكس لحظة مفصلية يعاد فيها تعريف شكل الصراع في المحطات الأخيرة لإنهائه.

وأوضح «أبو النور» في تحليل له، أن أول ما يلفت الانتباه هو أن إيران، تتحدث عن رد من عشرة بنود يرفض وقف إطلاق النار المؤقت، ويتمسك بإنهاء دائم للحرب، وأتصور أن هذه ليست صياغة دبلوماسية تقليدية، بقدر ما هي تعبير عن تحول في العقيدة التفاوضية الإيرانية، لأن طهران هنا تتعامل مع الحرب كمسار يجب إعادة ضبط قواعده، والاستفادة منه قدر الإمكان كما أن رفض الهدنة المؤقتة يعني أن إيران ترى أن أي توقف مرحلي هو في الحقيقة فرصة لإعادة تموضع الخصم وإعادة ترتيب صفوف قواته، وليس مدخلا للحل.

وذكر أنه في المقابل، تقوم الخطة التي نقلتها رويترز، والتي صاغتها مصر وباكستان، على مرحلتين: وقف فوري لإطلاق النار ثم اتفاق شامل خلال أسابيع، وهنا يظهر التناقض الجوهري إذ إن الولايات المتحدة تريد تجميد الصراع أولًا، بينما إيران تريد إعادة تعريفه دفعة واحدة، ويعكس هذا التباين اختلافا في تقدير ميزان القوة، أذ تتصرف واشنطن وكأنها لا تزال قادرة على فرض إيقاع تدريجي، بينما تتصرف طهران باعتبار أن لحظة الحسم التفاوضي قد حانت.

وحول إدخال باكستان كوسيط، قال: «على أن هذا ليس تفصيلا ثانويا، وقد سألت الرئيس آصف زرداري عن هذا الأمر تحديدا في مقابله مع فخامته في القصر الرئاسي بإسلام آباد في الثالث عشر من فبراير الماضي»، موضحاً أن معنى دخول إسلام آباد على خط الوساطة أن الصراع لم يعد أمريكيا پــ إيرانيا غير أنه بدأ يتحول إلى ملف إقليمي پــ دولي متعدد الأطراف، حيث تُستخدم قنوات غير تقليدية لتفادي الانفجار الكبير، وهنا تلعب باكستان دور الوسيط المقبول لدى الطرفين، لكنها في الوقت نفسه تعكس قلقا إقليميا من أن استمرار الحرب سيؤدي إلى انهيار منظومة الطاقة والتجارة في الخليج.

وأضاف: «هنا نصل إلى النقطة المركزية في الصراع وهي مضيق هرمز، حيث إن إصرار إيران على تضمين بروتوكول للعبور الآمن هو اعتراف ضمني بأن جوهر الصراع يتمحور حول السيطرة على شريان الطاقة العالمي. بمعنى أدق، إيران تقول: إذا أردتم إنهاء الحرب، فعليكم الاعتراف بدوري في أمن هذا الممر. وهذا ينسجم مع رؤيتها الدائمة للصراع على الممرات، لا فقط على الأنظمة».

وشدد على أنه في الجانب الأمريكي، يظهر الرئيس دونالد ترامب بخطابين متناقضين ظاهريا، لكنهما في الحقيقة متكاملان:

«خطاب تفاوضي يتحدث عن تقدم في المحادثات، وخطاب تهديدي يصل إلى حد إعادة إيران إلى العصر الحجري، هذا التناقض يمكن تسميته بإستراتيجية ترامب للضغط الأقصى، وهي تقوم على رفع سقف التهديد بالتوازي مع فتح باب التفاوض».

وأكد أن اللافت هنا أن ترامب لا يركز فقط على الدولة الإيرانية، بل يوجه خطابا مباشرا للشعب الإيراني، متحدثا عن الانتفاض والرغبة في إسقاط النظام، وهذا يكشف أن الهدف الأمريكي تعديل سلوك، من خلال إعادة تشكيل الداخل الإيراني نفسه.

وأكد أن هذا الطرح يصطدم بمؤشر مهم وهو أن طهران تعتبر أن التطورات الميدانية الأخيرة، بما في ذلك فشل عملية الإنزال الجوي، قد عززت موقعها، وهنا ندخل في معادلة شديدة الحساسية حيث يعتقد كل طرف أنه يتفاوض من موقع قوة، فالولايات المتحدة ترى أن إيران مقطوعة الرأس وأضعف، بينما إيران ترى أن واشنطن تراجعت ومددت المهلة، وهو دليل ضعف وليس قوة.

وأوضح: «لعل هذا ما يمكن تسميته بوهم التفوق المتبادل، وهي من أخطر لحظات الصراع لأنها قد تدفع الطرفين إلى رفع سقف الشروط بدلا من خفضه»، موضحاً أنه في هذا الإطار تضيف تصريحات بنيامين نتنياهو، كما نقلها أكسيوس، بعدا آخر للصراع وهو أن إسرائيل تخشى وقف إطلاق النار في هذه اللحظة، وهذا منطقي من منظورها، لأن أي هدنة الآن قد تعني تثبيت واقع لم تُحسم فيه القدرات الإيرانية.

وذكر أنه بمعنى آخر، إسرائيل ترى أن الوقت لا يزال مناسبا لمواصلة الضغط العسكري، بينما قد ترى واشنطن أن الاستمرار يحمل مخاطر توسع الصراع وعدم رضا الداخل الأمريكي عن استمرار تورط واشنطن في صراع لمصلحة إسرائيل، وفي العمق من هذه الديلمة، نحن أمام صراع بين ثلاثة تصورات للنهاية: «تصور أمريكي يقوم على إعادة فتح المضيق ونزع القدرات النووية مقابل رفع العقوبات.. تصور إيراني يقوم على إنهاء الحرب مع ضمانات سيادية وأمنية، بحيث تكون إيران دولة فوق إقليمية للمرة الأولى في التاريخ الحديث.. تصور إسرائيلي يقوم على استمرار الضغط حتى تفكيك التهديد بالكامل وإسقاط النظام وتقسيم البلاد».