النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

انهيار الجيش الإسرائيلي: أزمة تهدد الأمن وقدرة الدولة على الحرب

قوات إسرائيلية
هالة عبد الهادي -

تشهد إسرائيل أزمة غير مسبوقة داخل مؤسستها العسكرية، في ظل استمرار العمليات على عدة جبهات وتزايد الضغوط البشرية والسياسية، نتيجة عجز حاد في أعداد الجنود، خصوصًا القوات المقاتلة، بفعل الاستنزاف المستمر، وتراجع القدرة على تعويض الخسائر البشرية في وقت قصير.

ولا تقتصر هذه الأزمة على الجانب العددي فقط، بل تمتد إلى تراجع الجاهزية القتالية، وارتفاع معدلات الإرهاق النفسي والبدني بين الجنود، خاصة قوات الاحتياط التي أصبحت تتحمل عبئًا متكررًا يفوق قدرتها على الاستمرار بنفس الكفاءة.

وحذر رئيس الأركان، إيال زامير، من احتمالات "انهيار داخلي" إذا استمر الوضع دون تدخل عاجل، مشيرًا إلى وجود "10 أعلام حمراء" تعكس خطورة المشهد، ومطالبًا بسن قوانين عاجلة لزيادة معدلات التجنيد وتمديد الخدمة العسكرية، في محاولة لاحتواء التدهور المتسارع في بنية الجيش.

وتفاقم الصراع السياسي الداخلي، إذ انتقدت المعارضة أداء الحكومة، معتبرة أنها تدفع الجيش لخوض صراعات ممتدة دون امتلاك الموارد البشرية والعسكرية الكافية. ولفت يائير لابيد إلى أن جنود الاحتياط باتوا مرهقين وغير قادرين على تلبية المتطلبات الأمنية المتزايدة، مؤكدًا أن الجيش يواجه نقصًا واضحًا في أعداد القوات اللازمة لتنفيذ مهامه على أكثر من جبهة في وقت واحد.

كما يشير مراقبون إلى أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى فجوة متزايدة بين القيادة السياسية والعسكرية، وهو ما ينعكس سلبًا على عملية اتخاذ القرار الاستراتيجي، خاصة في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد وسريعة التغير.

في تحليل خاص ل"النهار"، أكد الخبير الاستراتيجي اللواء محمد الغباري أن التحركات الإسرائيلية لا تنفصل عن عقيدة استراتيجية طويلة المدى، تقوم على تعزيز القوة العسكرية والكتلة السكانية اليهودية كشرط أساسي لأي توسع مستقبلي. وأضاف أن إسرائيل تتجنب المواجهات البرية المباشرة مع قوى تمتلك قدرات شاملة مثل إيران، مفضلة الاعتماد على الضربات بعيدة المدى، والحروب غير المباشرة، إلى حين استكمال جاهزيتها البشرية والعسكرية.

وأوضح أن المشروع الإسرائيلي يرتكز على أبعاد عقائدية وجغرافية، بالتوازي مع محاولات إعادة تشكيل البيئة الإقليمية عبر أدوات غير تقليدية، مثل الحرب السيبرانية والعمليات الاستخباراتية، لضمان تحقيق أهدافها دون تحمل كلفة المواجهة الشاملة في الوقت الراهن.

أما اللواء محمد زكي في حديثة ل"النهار"، فأوضح أن إسرائيل تواجه "تعدد الجبهات" في آن واحد، حيث تتعامل مع تهديدات متزامنة، وهو ما يمثل ضغطًا غير مسبوق على بنية الجيش. وأكد أن هذا الوضع لا يقلق الواقع العسكري فقط، بل له انعكاسات مباشرة على التوازن الاستراتيجي وتوازن الردع في المنطقة، وقد يؤثر على موقفها في أي مفاوضات مستقبلية مع إيران.

وأضاف أن تعرض مناطق حيوية مثل حيفا وتل أبيب والنقب لضربات مباشرة، إلى جانب استدعاء أعداد ضخمة من قوات الاحتياط تصل إلى نحو 400 ألف جندي، يعكس حجم التحدي الذي تواجهه المؤسسة العسكرية، مشيرًا إلى أن هذه الاستدعاءات تؤثر على الاقتصاد والمجتمع، فضلًا عن تراجع الروح المعنوية، رغم محاولات التعتيم الإعلامي.

من جانبه، أشار الخبير في الشؤون الإسرائيلية عادل شديد إلى أن الأزمة الحالية ليست وليدة اللحظة، لكنها تفاقمت بفعل التطورات الإقليمية المتسارعة، مؤكدًا أن تسريب هذا النوع من النقاشات الحساسة إلى الإعلام يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المؤسسة العسكرية في مرحلة شديدة التعقيد.

وأوضح أن الجيش يمر بأزمة هيكلية عميقة يصعب حلها على المدى القصير، بسبب الحاجة إلى إعادة تنظيم نظام التجنيد، في ظل رفض الحريديم للخدمة العسكرية، وعزوف بعض الفئات اليهودية العلمانية، خاصة في تل أبيب الكبرى ومناطق الشمال، عن الانخراط في الجيش نتيجة اعتراضات سياسية واجتماعية.

وأشار شديد إلى أن هذا الوضع أدى إلى نقص يتجاوز 17 ألف جندي، بينهم قتلى ومصابون وحالات إعاقة نفسية، وهو ما يضعف القدرة القتالية على المدى الطويل. كما أن فكرة الاستعانة بمرتزقة أجانب تظل خيارًا معقدًا، لما تحمله من مخاطر تتعلق بهوية الجيش، ومستوى الانضباط، ودرجة الولاء.

وحذر من أن استمرار العمليات العسكرية دون وجود بدائل حقيقية لتعويض هذا النقص، سواء عبر إصلاح منظومة التجنيد أو تقليل وتيرة العمليات، سيؤدي إلى تعميق الأزمة، وقد يصل إلى مرحلة تؤثر بشكل مباشر على كفاءة الجيش وقدرته على إدارة صراعات طويلة أو متعددة الجبهات.

وفي ظل هذه المعطيات، يرى محللون أن إسرائيل قد تضطر إلى إعادة تقييم استراتيجيتها العسكرية بشكل شامل، سواء من حيث أولويات التهديد، أو طبيعة الانخراط في الصراعات الإقليمية، خاصة مع تزايد تكلفة الحروب الحديثة وتعقيداتها، ما قد يفرض عليها التحول من سياسة الهجوم المستمر إلى نهج أكثر حذرًا يعتمد على الاحتواء وإدارة الأزمات بدلًا من توسيعها.