النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

دبلوماسية الخليج تعيد ضبط الصراع الأمريكي الإيراني

دبلوماسية الخليج: من طرف في الصراع إلي صانع للتوازن بين واشنطن وطهران

الخليج العربي
هالة عبد الهادي -

في تصريحات خاصة ل"النهار":

اللواء محمد الغباري: دول الخليج تتحرك ضمن النفوذ الأمريكي لكن تحاول بناء توازن حذر مع إيران

اللواء محمد زكي الألفي: وساطات مصر وتركيا وباكستان تقود مسار التهدئة بدعم خليجي غير مباشر

الدكتور أحمد سيد أحمد: تحركات الخليج تهدف لتهيئة بيئة تفاوض وخفض التصعيد بين القوى الكبرى

الدكتور سمير غطاس: ضغوط الخليج أجبرت واشنطن على التراجع عن ضرب إيران ومنح مهلة بدل التصعيد

مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، برزت دول الخليج كلاعب رئيسي في احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى مواجهة مفتوحة، خاصة في ظل دخول المفاوضات مرحلة أكثر حساسية. فلم يعد دور الخليج مقتصرًا على التأثر بتداعيات الصراع، بل تطور ليصبح فاعلًا يسعى لإعادة التوازن الإقليمي عبر دبلوماسية نشطة ومباشرة.

وفي هذا السياق، تعمل دول الخليج على تحقيق معادلة دقيقة تقوم على الحفاظ على شراكاتها الاستراتيجية مع واشنطن، بالتوازي مع فتح قنوات تواصل مع طهران، بما يعزز من قدرتها على لعب دور الوسيط المقبول لدى الطرفين. ويعكس هذا النهج تحولًا واضحًا من سياسة الترقب إلى التأثير المباشر في مسار التفاوض.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل يستند إلى تغيرات أعمق في السياسات الخارجية الخليجية، خاصة لدى السعودية والإمارات، حيث تبنت نهجًا براغماتيًا يركز على خفض التصعيد وبناء جسور التواصل مع إيران، دون التفريط في تحالفاتها التقليدية مع الولايات المتحدة. ويعكس ذلك إدراكًا متزايدًا بأن الاستقرار الإقليمي لم يعد خيارًا، بل ضرورة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي والمصالح الاقتصادية، فضلًا عن تأثيره المباشر على أمن الطاقة العالمي واستقرار الممرات البحرية الحيوية، مثل مضيق هرمز وباب المندب.

وانطلاقًا من هذا الفهم، يتركز الدور الخليجي حاليًا على الوساطة غير المباشرة، من خلال تبادل الرسائل السياسية، ودعم قنوات الاتصال الخلفية، وتهيئة بيئة أقل توترًا تضمن استمرار المفاوضات. وقد يشكل هذا الدور مرحلة تمهيدية لوساطة أكثر وضوحًا في حال تعثرت المحادثات، بما يمنح دول الخليج موقعًا مميزًا كقناة اتصال فعالة، رغم عدم كونها طرفًا رئيسيًا على طاولة التفاوض.

وفي هذا السياق يؤكد الخبير الإستراتيجي اللواء محمد الغباري في تحليل خاص ل"النهار" أن:"دول الخليج لا تزال تتحرك في إطار النفوذ الأمريكي، في ظل اعتمادها الأمني على واشنطن ووجود القواعد الأمريكية على أرضها، خاصة مع تصاعد المخاوف من القدرات العسكرية الإيرانية. هذا الواقع يحد من قدرتها على تبني مواقف مستقلة بالكامل، ويدفعها إلى تبني سياسات توازن بين احتواء التوتر مع طهران والحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة".

كما أوضح الخبير الإستراتيجي اللواء محمد زكي الألفي ل"النهار" أن: "دول الخليج تمارس ضبط النفس في مواجهة تداعيات الحرب الحالية، رغم المخاطر الكبيرة الناتجة عن القصف، وهي ليست طرفًا أصليًا في النزاع، على الرغم من استهداف إيران للقواعد والأماكن الأمريكية. هذا الضبط للنفس يعكس الدور المهم للدول الوسيطة، وهي تركيا ومصر وباكستان، حيث تجري مفاوضات من خلال هذه الدول، خاصة الجانب الباكستاني. والزيارات الحالية للرئيس المصري ووفود أخرى من تركيا وباكستان تسهم في التواصل مع دول الخليج وتعزيز جهود ضبط النفس وعدم الانخراط في أي أعمال قتالية ضد إيران".

وأضاف الألفي أن دول الخليج تسعى لضمان استقرار الإمدادات البترولية العالمية عبر مصادر بديلة خارج مضيق هرمز، وهو أمر أساسي في هذه المرحلة.

وفي ذات السياق يؤكد الدكتور أحمد سيد أحمد، خبير العلاقات الدولية أن:"دول الخليج باتت تدرك أن استقرار المنطقة مرهون بقدرتها على خفض التصعيد بين القوى الكبرى فتتحرك في اتجاه دعم الاستقرار واحتواء التصعيد، عبر خلق بيئة إقليمية مساعدة على التفاوض، دون أن يعني ذلك أنها تلعب دور الوسيط المباشر بين واشنطن وطهران. هذا الدور يمكن دول الخليج من نفوذ سياسي متزايد، ويعزز مكانتها كشريك إقليمي قادر على إدارة الأزمات، وليس مجرد متلقٍ لتداعياتها".

كما يوضح أيضًا رئيس منتدى الشرق الأوسط للدراسات السياسية والاستراتيجية، الدكتور سمير غطاس، في تصريحات خاصة لـ"النهار"، التأثير الواضح لدول الخليج في احتواء التصعيد، مشيرًا إلى أن التهديدات الإيرانية لم تقتصر على استهداف المنشآت العسكرية، بل امتدت لتشمل مراكز الطاقة في دول الخليج، وحتى محطات تحلية المياه، وهو ما يمثل خطرًا استراتيجيًا نظرًا لاعتماد هذه الدول عليها بشكل أساسي.

وأضاف غطاس:"هذه التهديدات دفعت دول الخليج إلى التحرك بشكل مباشر، حيث تدخلت لدى الإدارة الأمريكية مطالبة بعدم تنفيذ الضربة العسكرية واسعة النطاق التي هدد بها ترامب بشنها علي إيران خلال مهلة زمنية محددة، وهو تهديد كان من شأنه أن يكون تصعيدًا كبيرًا، لكنه لم يُنفذ بسبب الضغط الخليجي،ما أدى إلى تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تكتيكيًا ومنح مهلة إضافية بدلًا من تنفيذ الضربة فورًا والتصعيد الفوري".

وأكد أن هذا التحرك يعكس تحولًا في الدور الخليجي من مجرد التأثر بالأزمة إلى الفعل المباشر في مسارها، خاصة في ظل مخاوف حقيقية تتعلق بأمن الطاقة والمياه في المنطقة.

وفي موازاة ذلك، أشار إلى وجود مفاوضات غير مباشرة "تحت الطاولة" بين واشنطن وطهران، عبر وسطاء إقليميين من بينهم مصر وتركيا وباكستان، بهدف احتواء التصعيد وتهيئة الظروف للعودة إلى المسار التفاوضي.

في المحصلة، يكشف المشهد الراهن عن تحول نوعي في دور دول الخليج، من مجرد ساحة تتأثر بصراعات القوى الكبرى إلى فاعل إقليمي يسهم في إعادة ضبط توازناتها. فالدبلوماسية الخليجية لم تعد تكتفي بردود الفعل، بل باتت تتحرك بوعي استراتيجي لاحتواء الأزمات ومنع انفجارها، عبر مزيج من الحذر والبراغماتية والانخراط غير المباشر.

ومع استمرار تعقيدات العلاقة بين واشنطن وطهران، تبدو دول الخليج أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الحفاظ على هذا التوازن الدقيق، دون الانزلاق إلى أي من محاور الصراع. غير أن ما تحقق حتى الآن يشير إلى أن الخليج نجح، ولو نسبيًا، في فرض نفسه كقوة تهدئة مؤثرة، وشريك لا غنى عنه في صياغة مسارات الاستقرار الإقليمي، بما يعزز فرص تجنب المواجهة ويفتح الباب أمام حلول سياسية أكثر استدامة.