النهار
جريدة النهار المصرية

المحافظات

أغرب من الخيال.. تحليل DNA يعيد ”فارس” إلى أسرته بعد 11 سنة من الاختطاف

روان حمزاوى -

يولد الإنسان ويعيش بين أحضان أسرته، ويخوض التجارب ويكتسب الخبرات على مدار السنين، ويشاركهم أدق تفاصيل حياته بمراحلها المختلفة من نجاحات وإنجازات ومحاولات بائت بالفشل وإخفاقات، بين مناقشات وتسجيل ذكريات ومواقف تظل خالدة بداخله، فالأسرة هي الملاذ الآمن والسند والعطاء والدعم والمنقذ وقت الأزمات والضغوطات والمشاكل.

في حكاية أغرب من الخيال، يستيقظ "فارس" أو "حمزة" من نومه ليكتشف حقيقة غيرت مسار حياته لتنقلب رأسًا على عقب، بين ليلة وضحاها، أنه ابن لعائلة أخرى من أب وأم وإخوة مختلفين، لم يرهم أو يعرفهم من قبل، وأن من تربى ونشأ بين أحضانهم هم ليسوا من أهله ولا تربطهم أي صلة.

عاش الطفل الذي يبلغ من العمر 11 سنة، باسم "حمزة محمد خميس كامل"، بين أحضان أسرة تقطن غرب الإسكندرية، منحته الاهتمام والرعاية إلى جانب أنها ميزته عن باقي وإخوته، سواء على جانب الرعاية أو التعليم أو التربية وحتى المادي، بالإضافة إلى تعلق الأب الذي عاش معه تلك الفترة به وحبه الشديد له الذي كان واضحًا.

كبر الطفل بين تلك الأسرة، يبر والديه ويحفظ القرآن، ويهتم بدروسه ويؤدي فروضه، محددًا أهدافه، لكن مجرد تحليل سفر وراثية، فكك تماسك الأسرة واستقرارها وقطع هدوئها، وحطم آمال وأحلام كل فرد منها ليوضح الحقيقة المؤلمة التي توارت 11 سنة عن الأنظار، والتي بنت هدوء واستقرار أسرة بدموع وأنين وألم أخرى.

ويقول محمد خميس كامل، الأب الذي عاش معه الطفل، خلال حواره مع جريدة "النهار"، إنه سنة 2015 تلقى اتصالاً من زوجته بأنها ذاهبة إلى مستشفى الشاطبي، لوضع المولود بعد تخطيها الشهر 9، مما منع مرافقته لها خلال الولادة بسبب سفره خارج الإسكندرية في ذلك الوقت، ليعود إلى المنزل ويجدها تحمل وليدهما الجديد.

وتابع كامل، في تمام الساعة الخامسة تلقى بشارة وضع المولود من زوجته، وعندما عاد من سفره واحتضن الرضيع، وكان نحيفًا هزيلاً يوحي بأنه ولد قبل اكتماله قرابة الشهر الخامس بدلا من التاسع، موضحًا أن الطفل كان يعاني من فتق إربي و3 ثقوب في القلب.

ويوضح كامل، أنه في اليوم الثاني ذهب لتسجيل المولود لاستخراج شهادة الميلاد والتي صدرت باسم حمزة محمد خميس كامل، وبسؤاله للزوجة عن أوراق وتقارير الطبية للمستشفى التي تثبت حالة الولادة، أجابت بأنها خرجت من الباب الخلفي وقررت الذهاب بمفردها لعدم التضييق عليها من قبل المسئولين ومطالبتها بالمصروفات كنوع من التوفير.

وأضاف كامل، أنه بعد استخراج شهادة الميلاد للطفل، توجه إلى المستشفى وتم عمل التحاليل والفحوصات اللازمة، للاطمئنان على حالته الصحية، وتم تحويلة إلى مستشفى العامرية ثم مستشفى الطلبة بمنطقة سبورتنج ثم مستشفى الشاطبي، ومن هنا رفضت الزوجة التوجه إلى المستشفى واقترحت الذهاب لمستشفى آخر، واستمرت فترة علاج الطفل نحو 4 أشهر.

ويقول كامل والألم يعتصر قلبه، إن حمزة كان الأقرب إليه من بين سائر أبناؤه، حيث كان يشاركه كل التفاصيل من احتضانه أثناء النوم والذهاب إلى المسجد سويًا، بالإضافة إلى اصطحابه كافة الأماكن التي تطأها قدماها، كما ميزه من بين إخوته بحفظ 13 جزء من القرآن الكريم، وإلحاقه بنظام التعليمي الأزهر النموذجي.

ويتابع كامل، في سنة 2024 حدث انفصال غير رسمي بينه وبين زوجته وانقسم الأبناء بينهما فكان حمزة برفقة والده واثنين من إخوانه وباقي الأبناء بصحبة الأم، وكان فارس يتردد على والدته بين كل حين والآخر.

وفي شهر يونيو 2025، أزيل الستار انكشفت الحقيقة المؤلمة والموجوعة للأب حين عرف أن حمزة ليس بابنه ولا من صلبه ولا حتى من نسل عائلته، ويروي كامل تفاصيل رحلة اكتشاف الحقيقة، عندما زادت الخلافات العائلية وبمحاولات الصلح خرجت من أحد قاربها، أن حمزة ليس ابنه بل ابن شقيقته من علاقة غير شرعية، وأنه تستر على أخته بتربية الطفل بين باقي أبنائه.

نزلت تلك الكلمات عليه كالصاعقة مما أثار في قلبه الشكوك والحزن، ولم يتحمله الأب فقام بإجراء تحليل الحمض النووي DNA، وكانت النتيجة كالصدمة التي غيرت مجرى حياة الأب وحمزة رأسًا على عقب، إذ أن الطفل ليس بولده ولا بابن شقيقته ولا من نسل عائلته.

ويوضح كامل تبين أن زوجته تعرضت للإجهاض، واستغلت انشغال سيدة بالأوراق حاملة رضيعها المريض بين يديها، وقامت بأخذ الطفل وفرت هاربة، وأخبرت زوجها بأنها طفله، ليقرر الانفصال عنها بشكل رسمي وتطليقها غيابيًا.

وطلب الأب من ابنه يوسف الذي يصغر حمزة بخمسة أعوام، أن يتحدث مع والدته ويسألها من أين أتت بحمزة ويخبرها بأنه قام بعمل تحليل الحمض النووي وأظهرت النتيجة أن حمزة ليس ابنه، وبالفعل ذهب الولد لأمّه وصرحت بكافة تفاصيل عن حمزة ومن أين أحضرته.

ويتابع الأب أن محركات البحث خلال تصفحه أظهرت أخبار تعود لسنة 2015 عن اختطاف طفل رضيع في نفس يوم ولادة حمزة من مستشفى الشاطبي بأسم فارس ممدوح أحمد واسم الأم إيمان محمد أمين، ومحضر برقم 28122 لسنة 2015 جنح قسم باب شرق ويوضح كامل، أن حمزة كان الطفل الوحيد الذي اختطف من أسرته في شهر أغسطس 2015.

ومن هنا بدأ الأب رحلة البحث عن أسرة فارس لإعادته لأحضان عائلته والتي استغرقت 8 أشهر، حيث اقترح عليه أحد المقربين استخراج شهادة الميلاد الأولى التي تحمل اسم فارس، وبالفعل ذهب الأب إلى سجل مدينة برج العرب وقام باستخراج شهادة الميلاد التي تحمل اسم الأبوين الحقيقيين لفارس واسمه الحقيقي.

واستمرت محاولات البحث والتي انتقلت لمرحلة الوصول للأب الحقيقي، فقام كامل بإحضار أرقام هواتف الأب والأم من خلال الرقم القومي المقيد بشهادة ميلاد فارس، ثم تواصل مع أحد المحامين لاتخاذ الإجراءات الرسمية، ومن ثم اتصل المحامي بممدوح والد فارس، ومن هنا تلقى ممدوح الخبر كالصاعقة، إذ أن الرضيع الذي اختطف في عمر أسابيع لازال حيًا يرزق بل ويعود إلى أحضانه مرة أخرى بعد غياب 11 سنة.

وبرغم اطمئنان قلب كامل أن الطفل سيعود لأهله إلا أن الفرحة لم تكتمل بعد معرفته بوفاة والدة فارس منذ ثلاث سنوات، رحلت قبل أن ترى فلذة كبدها بين أحضانها واقفًا أمامها.

ويروي كامل تفاصيل لحظة الوداع بعد رجوع فارس لأحضان والده وإخوته الأربعة، إلا أن فارس كان متمسكًا به وغير مستوعب لفكرة أن الأسرة التي أعطته الرعاية والاهتمام وكبر بين أحضانها ليست أسرته ولا ترتبط به من أي اتجاه، وهو الأن بين أسرة غريبة عنه لم يعرفهم ولم يراهم من قبل وليس أمامه إلا أن يتكيف ويتأقلم.

ويقول ممدوح أحمد إسماعيل، الأب الحقيقي لفارس، ودموع الفرح والألم تنهمر من عينه كالسيل، إنه كان يتمنى لو كانت زوجته لازالت حية لترى ولدها وتحتضنه، فقد رحلت والحسرة تملاء قلبها والدقائق والساعات تمر كالسنين، دون أن تعرف مصير ابنها والتساؤلات تشغل فكرها ماذا فعلت به الدنيا.

ويروي إسماعيل التفاصيل، ويقول، كنت ذاهب إلى مستشفى الشاطبي برفقة زوجتي وأولادي يوسف وفارس وأحمد، لمتابعة الحالة الصحية لفارس حيث أنه كان ضعيف البنية ويعاني من فتق إربي ومشاكل بالقلب، وعند دخول المستشفى لاحظ سيدة تراقب خطواتهم وتحركاتهم، وجاءت إلى والدة فارس وتحدثت معاها عن سبب مجيئها للمستشفى واستمر الحديث قواية 3 ساعات.

ويتابع إسماعيل، أنه عندما جاء دور الأم لاستلام التحاليل الطبية الخاصة بفارس، عرضت الأخرى المساعدة بحمل فارس عنها لأن الأم كانت تحمل طفل أخر، وبعد استلام نتائج التحاليل تعود الأم لمكانها لتجد السيدة قد فرت هاربة بالطفل ولم يبقى لها أثر.

ويوضح إسماعيل، أنهم ذهبوا لعمل محضر بقسم باب شرق في سنة 2015، واستمرت عمليات البحث لمدة 6 أشهر متواصلة، لكنهم فقدوا الأمل وكانت الأيام تمر كالجبال من ثقل الهم الذي أصابهم، وظلوا يبحثون في كافة أقسام الشرطة والمستشفيات ومحطات القطارات، إلى أن فقدوا الأمل في العثور على وليدهم ليعود إليهم من جديد.

وبعد مرور عدة سنوات لم يتوقف إسماعيل في البحث عن ابنه المختطف فكان يذهب إلى المستشفى وينتظر بالساعات على أمل أن تعود تلك السيدة مرة أخرى لاختطاف طفل جديد لكنها لم تظهر.

وتلقى اتصالاً من أحد المحامين بمحافظة كفر الشيخ، في شهر فبراير الماضي، ليخبره أنهم وجدوا طفله المفقود منذ 11 سنة، فصدم ولم يصدق فطلب من المحامي شهادة الميلاد، ولم يمكث طويلا حتى رأها، وتداخلت مشاعر الفرحة والحزن والألم سويًا.

ذهب ممدوح برفقة أولاده الأربعة وخالات فارس لاستقباله ولم تسعه الفرحة، ثم بعد ذلك ذهبوا لقسم شرطة باب شرق للإبلاغ أن ابنه عاد إليه، واستمرت الإجراءات الرسمية نحو 20 يومًا، في تحقيقات بين إسماعيل وخميس وفارس، كما طلبت النيابة عمل تحليل DNA من جديد، وأظهرت النتيجة تطابق كامل بين الابن ووالده وإخوته.

ويحكي ممدوح تفاصيل القبض على السيدة، حيث قدم كامل التسجيلات التي تحمل اعترافها بالواقعة، وكان فارس يتردد عليها كثيرًا لزيارتها قبل معرفته بالحقيقة، ودل ضباط الشرطة على مكانها فتلقت اتصالاً يفيد بإهدائها "شنطة رمضان ومبلغ 1000 جنيه"، ولم تمكث طويلاً حتى وصلت للشخص فقوجئت بأنهم رجال الشرطة يحاصرونها من كل جانب.

أما عن فارس بطل القصة فيروي تفاصيل الحقيقة التي غيرت حياته بين ليلة وضحاها، ويقول عشت 11 سنة من عمري باسم حمزة محمد خميس، بين ذلك الرجل الذي احتضنني وميزني عن باقي أبنائه فكنت أذهب للمدرسة وأذاكر دروسي وحفظت 11 جزءًا من القرآن الكريم.

ويكمل فارس، ملئ الحزن قلبي عند معرفة الحقيقة فكيف لأهلي الذي عشت بينهم 11 سنة واعتدت عليهم، ليسوا بأهلي وإنما عائلة أخرى غريبة عني بمكان مختلفة وطبيعة مختلفة.

ويتابع فارس، وانتابني الألم أكثر عندما علمت بوفاة أمي ورحيلها قبل رؤيتها، كانت الأمل الوحيد الذي كنت انتظره ليعوضني عن صدمتي وآلمي بين أحضانها.

ويشير فارس إلى أنه علم الحقيقة بعد انتصاف الطريق في رحلة البحث منذ 4 أشهر، مؤكدًا على أن الإشاعة التي أطلقها أحد المقربين عن أخت كامل هي التي أظهرت الحقيقة ويدأت الرحلة حتى عودت لأهلي، وأحاول الأن التكيف على الأسرة الجديدة.

ولايزال فارس يتابع دراسته بالصف الخامس الإبتدائي، في انتظار الأوراق الرسمية لتغير اسمه من حمزة محمد خميس إلى فارس ممدوح أحمد إسماعيل.