أسامة شرشر يكتب: حــــرب الارتجــــال .. هرمز وباب المندب رقبة العالم فى يد ترامب و إيران

تساؤلات عديدة تدور في العالم، ولا أحد يدعى أنه يعلم شيئًا لأن (الحرب الدائرة هي حرب الارتجال التى يغيب عنها رؤية أو أهداف استراتيجية) وأهم هذه الأسئلة هو: هل أصبحت رقبة العالم في يد ترامب أم في يد إيران؟
فكل الاستعدادات اللوجستية الأمريكية التى لم يحدث مثلها منذ الحرب العالمية الثانية تعطي دلالات ومؤشرات خطيرة على أنه إذا تم تنفيذ الجنون الترامبي الصهيوني الإسرائيلي وتم عمل إنزال بري في إيران وضرب منشآت النفط والكهرباء والمياه الإيرانية كما توعد ترامب، بغرض السيطرة على مضيق مضيق هرمز بالقوة، فإن رقبة العالم ستصبح في يد هذا المجنون وسيحدث شلل تام في الاقتصاد العالمي قد يعيده إلى العصور الوسطى والظلام الدامس.
وعلى الجانب الآخر أصبحت رقبة العالم بيد إيران بعد اللعب بورقتين: الأولى ورقة مضيق هرمز الذي يتحكم في 20% (خمس) تجارة العالم من البترول والغاز والبتروكيماويات ومعظم سلاسل إمداد الغذاء لدول الخليج العربي، والورقة الثانية تهديد مضيق باب المندب من خلال الحوثيين وهو المضيق الذي يتحكم في 12% من حجم التجارة العالمية وسلاسل الإمداد والشحن العالمي، وإذا قام الحوثيون باستهداف سفن الشحن كما حدث سابقًا، ستحدث الكارثة الكبرى، وستصبح (رقبة) المضايق العالمية وبالتالى النقل البحرى كله في يد إيران.
فإذا استمرت معركة الممرات البحرية بهذه الصورة، فإن العالم لن يعود للعصور الوسطى فحسب، بل سيتم نسف كل خطط التنمية الاقتصادية في العالم، خاصة في الدول العربية التى ستعود مئات السنوات إلى الوراء، ولا أدرى حينها كيف سيكون شكل العالم، وكيف سيصبح شكل المواجهة العسكرية المستحيلة، والتى ستدفع دولًا أخرى للانضمام إلى الصراع، خاصة الصين التى ستصبح أكبر متضرر من توقف سلاسل الإمداد العالمية.
لقد كشفت وسائل الإعلام الأمريكية عن فيديو قديم لترامب تم تسجيله منذ عام 1987 يعلن فيه صراحة أنه يحلم بالسيطرة على النفط الإيراني، ويبدو أن هذا الحلم هو الذي يحرك هذا الرجل وعصابته في البيت الأبيض، الذين فقدوا كل القواعد الدبلوماسية التى كان من المفترض أن تبنى عليها العلاقات بين الدول، وهذه القواعد الدبلوماسية كانت تقول إنه حين تبدأ الحرب فإن المفاوضات تكون هي نهاية المعركة، ولكن ترامب يلوح بأساطيله وطائراته وقواته الخاصة من المارينز والقوات المحمولة جوًّا التى استدعاها من كل فج عميق وكأنه يحارب الصين وليس طهران!.. فعن أى مفاوضات يتحدث؟! وأنا أتوقع أن المفاوضات بين إيران وأمريكا التى تتم من خلال الوسطاء لن تؤدى إلى شىء إلا إذا شارك جى دى فانس، نائب الرئيس الأمريكي، الرافض للحرب، في المفاوضات، حيث ستكون هناك بادرة أمل، لأن الفجوة كبيرة جدًّا بين 15 مطلبًا أمريكيًّا و6 مطالب إيرانية، والوحيد الذي يستطيع أن يصنع التقارب هو نائب الرئيس الأمريكي.
كل هذا يجري وللأسف الشديد الدول العربية تبكي على اللبن المسكوب لأنها أصبحت مفعولًا بها وليست بفاعل، رغم أنها هي التى تملك أن تنير الدنيا أو تطفئها من خلال امتلاكها أكبر احتياطات نفط وغاز طبيعي في العالم، ولكن مصيبتنا الكبرى أننا نختلف قطريًّا ولا نتوحد سياسيًّا، ولا نشكل قوة ردع عربية موحدة ندافع بها عن أرضنا وعرضنا ونصبح بها قوة يحترمها الآخرون.
فالحرب بدأت والعرب خارج الخدمة وليس لهم وجود ولم يأخذ أحد رأيهم فيها- بعيدًا عن التصريحات العنترية من البعض- وإذا انتهت هذه الحرب فإن نهايتها ستكون بقرار خارجي لا عربى، وكل هذا سببه أن بعضنا ارتضى منذ البداية أن يكون أداة في يد عدونا ولا نحتمى بشعوبنا ولا نستغل ثرواتنا، حتى تحولت القواعد الأمريكية إلى وبال على المنطقة بأسرها، وكما قلتها مرارًا وتكرارًا (المتغطي بالأمريكان عريان)، وللأسف الشديد البعض أصبح (يتغطى بالإسرائيليين) وكل لبيب بالإشارة يفهم!
وهذا لا يعنى بأي حال من الأحوال وتحت أي مسمى ديني أو إنساني أنه يحق لإيران ضرب أراضي دول الخليج المجاورة لها، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- أوصى بالجار إلى سابع جار، فالحرب لا يمكن أن تكون ذريعة لإيران للهجوم على جيرانها على الضفة الأخرى من مضيق هرمز وهي دول الخليج العربي.
ولكن وسط الظلام ينبعث النور، وأعتقد أن بيان شيخ الأزهر الشريف الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب كان نبراسًا ينير هذا النفق المظلم، ويؤكد أن مجرد الاعتداء على الجيران والأشقاء يخالف الإسلام وتعليمات الله، عز وجل.
فهل ستتحول هذه النقمة إلى نعمة؟ وتحدث المعجزة- وأنا أشك- وتتنازل أمريكا عن بعض مطالبها وتتنازل طهران عن بعض أطماعها ويحدث المستحيل ويتم الاتفاق على وقف هذه الحرب؟ أتمنى ذلك، وإن كانت نسبة حدوثه ضعيفة جدًّا، فهذه الحرب إذا اتسعت لن تدمر المنطقة العربية وحدها بل ستدمر العالم بأسره.
أما محاولة بعض الصغار الانتقاص من دور مصر، فهي محاولة تافهة؛ لأنهم يعلمون أن مصر هي التى رتبت للقاء في إسلام آباد وهي التى دعمت دول الخليج دعمًا لوجستيًا غير عادي، ولكن لكل مقام مقال، وللحديث شأن آخر بعد أن تنتهي هذه الحرب الظلماء.
وأكرر ما قلته منذ أكثر من عام في مقالاتي ولقاءاتي التلفزيونية خاصة في قناة النيل للأخبار أنه يجب إعادة ترتيب البيت العربي والإسلامي بشكل جماعي لا فردي، وبطريقة لا يكون فيها لدولة أن تدعى أنها تمتلك وحدها مفاتيح القرار، بحجة الدعم الاقتصادي أو السياسي أو غير ذلك، فإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط يجب أن تتم من خلال حكام الشرق الأوسط وليس أمريكا أو إسرائيل، وأتمنى أن يولد من رحم هذه الحرب تحالف جديد بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان وتنضم إليها إيران لاحقًا، لإسقاط حلم نتنياهو بتأسيس دولة إسرائيل العظمى وليس الكبرى، والذى يحلم بأن يسيطر على منطقة الشرق الأوسط عسكريًا واقتصاديًا.
أتمنى أن يكون لنا في هذه الحرب عِبرة، وإذا عدتم إلى رشدكم وصوابكم فاحتموا بشعوبكم وليس بأمريكا أو إسرائيل، وتوحدوا قبل فوات الأوان، وأتمنى أن يكون هناك إعلام عربي وإسلامي حقيقي وقنوات تلفزيونية وشبكات تواصل اجتماعي تقرب ولا تفرق، وتؤكد على هويتنا العربية والإسلامية أمام التتار القادم من الخارج.
ارحموا من في الأرض
يرحمكم من في السماء.
وإلى لقاء إذا بقينا أحياء في ظل جنون ترامب الذي أصبحت رقبة العالم في أساطيله الحربية وفي ظل موقف إيران التى تريد أن تسيطر على مضيق هرمز وباب المندب فتصبح رقبة العالم في قبضتها أيضًا، فهذه الحرب تحولت إلى حرب ممرات بحرية من يستولى فيها على المضايق يتحكم في العالم اقتصاديًا وتجاريًا، والتساؤل الآن: أين الاتفاقيات المنظمة للملاحة البحرية؟ أعتقد أن المنظمات الدولية والأمم المتحدة لم يعد لها معنى.. فنحن نعيش في عالم يحكمه صراع بين ترامب (مرشد العالم) ومجتبى خامنئى (مرشد إيرن)!
ولا أملك إلا أن أقول: ارجع إلينا يا عمر
فقد كنت رمزًا للعدل والحق والإنسانية
توحدوا يا عرب ويا مسلمون قبل فوات الأوان؛ حتى نحرر القدس العربية وفلسطين الأبية.

