النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

اللواء محمد زكي الألفي: الاستنزاف وضغط الجبهات المتعددة قد يعيدان تشكيل قرار الحرب والتفاوض في إسرائيل

اللواء محمد زكي الألفي يكشف لـ”النهار” ملامح معادلة الردع الجديدة بين ضغوط التصعيد ومسارات الوساطة وتوازنات القوة في الشرق الأوسط

اللواء محمد زكي الألفي
حوار هالة عبد الهادي -

في وقت تتسارع فيه وتيرة الأحداث الإقليمية، وتتشابك فيه أدوات الضغط العسكري مع محاولات التهدئة السياسية، تبرز تساؤلات حول مستقبل الصراع وحدود قدرته على التمدد أو الاحتواء في أكثر من ساحة، وأدوار القوى الإقليمية في احتوائه، خاصة مع تزايد الضغوط على أمن الطاقة العالمي وتهديد استقرار المنطقة. وبين التصعيد العسكري ومحاولات التهدئة، تبدو خريطة التحركات السياسية أكثر تعقيدًا، في وقت تتداخل فيه حسابات الردع مع فرص التفاوض.

وفي هذا الحوار الخاص لـ"النهار"، يتحدث الخبير الاستراتيجي اللواء محمد زكي الألفي عن أبعاد المشهد الراهن، كاشفًا عن رؤيته لدور الوسطاء الإقليميين، واستراتيجية التصعيد الأمريكي، وقدرة إيران على الصمود، إلى جانب تداعيات الصراع على مضيق هرمز والاقصاد وتوازنات القوة في المنطقة.

وفيما يلي نص الحوار:

بدايةً، ومع اتساع رقعة التوترات، هل من الممكن أن تنتقل بعض الدول من موقع الطرف المتأثر بتداعيات الحرب إلى موقع وسيط فاعل؟ وما هي فرص نجاح هذا الدور؟.

بالتأكيد، ضبط النفس الذي تمارسه دول الخليج كلها في هذه الحرب صعبة جدًا، والتي تتعرض فيها لمخاطر شديدة نتيجة القصف الذي يُشن على هذه الدول، مع العلم أنها ليست في الأصل طرفًا مباشراً، لكن كما يقول الجانب الإيراني، إنه يستهدف القواعد والأماكن الأمريكية بالكامل، الأمر الذي يؤثر عليها بشكل غير مباشر.

هذا الضبط للنفس، يؤكد وجود دور مهم جداً تقوم به الدول التي تتحرك في مسار الوساطة، و لدينا حتى الآن ثلاث دول بارزة: تركيا، ومصر، وباكستان. وفي هذا الإطار، كما يقول الرئيس الأمريكي ترامب، هناك مفاوضات تجري من خلال هؤلاء الوسطاء، وبالأخص الجانب الباكستاني.

أما الدور الذي تقوم به هذه الدول، فهو يتجسد من خلال الزيارات المتبادلة والتحركات الدبلوماسية، ومنها تحركات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وبقية الجهات الأخرى في الدولتين، باكستان وتركيا. إلى جانب الاتصالات المستمرة بين هذه الدول، وهو ما يعزز فكرة الوساطة، خاصة في ظل التزام هذه الأطراف بسياسة عدم الانخراط في أي أعمال قتالية، وهو عنصر أساسي في ترسيخ دور الوسيط.

فهذه نقطة مهمة جدًا، بالإضافة إلى أن دول الخليج تسعى جاهدة لتلبية مطالب دول العالم من الإمدادات البترولية عن طريق أي مصادر أخرى خارج مضيق هرم، وهذا أمر رئيسي، فهذه مسألة مهمة جدًا تجنباً للاستفزازات.

بالانتقال إلى مسار موازٍ، كيف تفسر استمرار الولايات المتحدة في الجمع بين التصعيد العسكري والانخراط في مفاوضات مع إيران في الوقت نفسه؟

الأمر في جوهره يرتبط بطبيعة الضغوط الأمريكية، حيث قدمت واشنطن نحو 15 مطلبًا من إيران، تم رفضها بالكامل حتى الآن، وهي مطالب تمثل أقصى سقف للتفاوض من وجهة النظر الأمريكية.

وبالتالي، تعتمد الولايات المتحدة على الضغط العسكري المستمر عبر العمليات القائمة، في إطار ما يمكن وصفه بالردع النفسي والمعنوي، بهدف دفع وإجبار الجانب الإيراني إلى القبول بهذه الشروط.

في المقابل، يظهر الجانب الإيراني قدرًا كبيرًا من الصلابة والإصرار، ويواجه هذه الضغوط بما يمكن وصفه بالقوة الإرادية العظيمة جدًا في مواجهة كل هذه الأعمال، رغم ما يتعرض له من استهدافات عسكرية داخلية عبر الطيران أو الصواريخ من خلال القوات الجوية أو الصواريخ الأرض-أرض الإسرائيلية والأمريكية.

وهنا تتشكل معادلة واستراتيجية معقدة لكل طرف، تقوم على جانبين رئيسيين: الأول هو قدرة كل طرف على الصمود بدرجة عالية، والثاني هو السعي لتوجيه تأثيرات غير مباشرة على الطرف الآخر. ويتم ذلك من خلال ضربات قد تكون مؤثرة، لكنها لا تظهر بشكل واضح إعلاميًا، خاصة في ظل وجود تعتيم إعلامي كبير على نتائج هذه العمليات، وهو ما يلعب دورًا مهمًا في تشكيل هذه المعادلة.

كما يبرز في هذا السياق عنصر "الردع المعنوي"، حيث يحاول كل من الجانب الأمريكي والإسرائيلي استخدامه للضغط على إيران ودفعها لتغيير موقفها، إلا أن إيران لم تستجب حتى الآن لهذه الضغوط. وهذه النقطة تحديدًا تُسهم في تعقيد المشهد بشكل أكبر، وتجعله أكثر تشابكًا.

ومن وجهة نظري، فالجانب الأمريكي لم يحقق حتى الآن أيًا من أهدافه الرئيسية المعلنة في بداية التصعيد، والتي تتمثل في إسقاط النظام الإيراني، والقضاء على البرنامج النووي، والحد من البرنامج الصاروخي. إذ لم يتحقق أي من هذه الأهداف حتى الآن، فاستمرار العمليات العسكرية وتبادل الضربات، بما في ذلك استهداف قواعد، يعكس استمرار حالة التصعيد دون حسم واضح.

في ظل هذا التصعيد المتبادل، يبرز ملف مضيق هرمز كأحد أهم أدوات الضغط.. كيف ترى احتمالات تحوله إلى ساحة صراع مفتوحة؟

حتى الآن، لا يمكن القول إن مضيق هرمز تحول إلى ساحة صراع مفتوحة بالمعنى الكامل، لكنه يظل أحد أهم أوراق الضغط الاستراتيجية، ليس فقط على الولايات المتحدة، بل على الاقتصاد العالمي بأسره بما فيه الغرب والمنطقة العربية.

وتعطيل حركة الملاحة في هذا المضيق ينعكس مباشرة على تدفقات الطاقة، ويؤدي إلى أزمات واختناقات اقتصادية واسعة تصل تأثيراتها إلى العالم كله. كما أن الضربات والتحركات العسكرية في هذه المنطقة ضربات من فوق الرأس تُستخدم فيها الحملات الجوية والضربات الصاروخية لكلا الطرفين، ولكن ليست هناك أي قوات برية أو مظاهر تدخل على الأرض للسيطرة على هذا المضيق. ورغم أن هناك احتمالًا لعائد اقتصادي بالنسبة لدول الخليج من خلال ارتفاع أسعار النفط والبترول ومواد الطاقة بصفة عامة، إلا أن هناك تأثيرًا كبيرًاعلى هذه المنطقة بالكامل وعلى العالم، الذي يعاني من أزمة، ولم تتمكن حتى الآن القوة المتصارعة، سواء الجانب الأمريكي أو الإسرائيلي، من فرض سيطرة كاملة علي هذا المضيق، وهو ما يعكس استمرار حالة التوازن القائم على الضغط المتبادل،و يؤكد أن الصراع لا يزال مضبوطًا ضمن حدود معينة، رغم خطورته العالية.

بالانتقال إلى الجانب الإسرائيلي، إلى أي مدى تؤثر التحديات الداخلية مثل نقص الجنود والاستنزاف والانقسامات على قدرة الجيش الإسرائيلي في إدارة حروب متعددة الجبهات؟وهل تهدد توازن الردع في المنطقة وتمثل عامل لقبول اسرائيل المفاوضات الحالية مع ايران؟

الواقع يشير إلى أن إسرائيل أعلنت خوضها حربًا على عدة جبهات، وهو ما يفرض تحديات كبيرة على قدراتها العسكرية والبشرية، خاصة في ظل الاستدعاء الواسع للاحتياط، الذي يمثل عبئًا إضافيًا على الجيش الإسرائيلي وقد يؤثر على كفاءته في الاستمرار بنفس مستوى الأداء لفترات طويلة. وفي هذا السياق، فقد صرح الجانب الإسرائيلي، وأعلنه رئيس وزرائهم، أنهم يحاربون على سبع جبهات، وهو ما يعكس حجم الاتساع في نطاق المواجهة، رغم أن هذه المعارك تُخاض في المنطقة عبر أطراف واعتبارات معقدة، بما يفرض ضغوطًا إضافية على إسرائيل بوصفها طرفًا فاعلًا أو وكيلًا في بعض المسارات.

كما أن وصول الضربات إلى العمق الإسرائيلي، بما في ذلك مناطق حيوية مثل حيفا وتل أبيب والنقب، يمثل تحولًا مهمًا في معادلة الردع، ويعكس قدرة الطرف الآخر على إحداث تأثير مباشر داخل الأراضي الإسرائيلية، وهو ما لم تشهده إسرائيل من قبل بهذا المستوى، رغم وجود تعتيم إعلامي كبير على تفاصيل هذه الضربات أو آثارها.

وفي هذا الإطار، ورغم ما تعلنه إسرائيل من أنها تستهدف القضاء على القوى الإيرانية وضرب بنيتها التحتية، فإن هناك صمودًا واضحًا من الجانب الإيراني، يقابله تعتيم على نتائج الضربات داخل إسرائيل، الأمر الذي يعمق من حالة الغموض في المشهد. إلا أن ذلك واضح من شدة الضربات الإيرانية عليهم. وأعتقد أن هذا سيكون أحد الأسباب الرئيسية التي سيعلن عنها الجانب الإسرائيلي و رئيس الوزراء الإسرائيلي فيما يخص قبولهم موضوع التفاوض أو التوقف عن العمليات.

وفي ظل هذه المعطيات، من استهداف لمناطق استراتيجية داخل إسرائيل، وما قد يرافق ذلك من تأثيرات معنوية على الجيش الإسرائيلي، خاصة مع الاستدعاء الكبير للاحتياط الذي يصل إلى نحو 400 ألف جندي، فإن هذه التحديات قد تنعكس بدورها على الحسابات السياسية والعسكرية في تل أبيب. بالإضافة إلي أن هناك، تحذيرات داخلية من رئيس الأركان يرفع فيه علامة حمراء أمام المجلس الوزاري المصغر حول هذا الموضوع، وهذا له تأثير معنوي كبير جدًا على الجيش الإسرائيلي،بما يعكس حجم الضغط.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن هذه التحديات مجتمعة قد تدفع إسرائيل، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى إعادة النظر في مسار التصعيد، والانفتاح على خيارات التفاوض، خاصة مع استمرار حالة الاستنزاف والضغط العسكري والمعنوي، وهو ما قد يُعد أحد العوامل المؤثرة في توازن الردع وفي اتجاهات القرار خلال المرحلة الحالية.